قراءة نفسية في اضطراب الشخصية الحديّة

تاريخ النشر : الثلاثاء 12:03 22-7-2025
No Image

في أعماق النفس البشرية، حيث تختلط المشاعر بالحيرة، ويصبح اليقين هشًّا كزجاجٍ على وشك التهشّم، يعيش أشخاص على الحافة… حافة الهوية، حافة الحب، حافة الحياة. إنهم ليسوا مرضى فقدوا عقلهم، ولا مجانين بمعناها الشعبي الساذج، بل هم أشخاص يحملون قلوبًا مضطربة، وعقولًا تستغيث من فوضى الداخل. إنهم أصحاب اضطراب الشخصية الحديّة (Borderline Personality Disorder – BPD)، أحد أكثر الاضطرابات النفسية تعقيدًا وغموضًا وإثارةً للجدل في الميدان العلاجي.

من هو «الحدّي»؟ ومن سمّى الحدود؟

"أنا كلّي أو لا شيء…

أنا إما أحبّك حتى الموت، أو أكرهك كما لم أكره أحدًا من قبل.» هكذا تُترجم مشاعر الشخص الحدّي، فهو لا يعرف الرمادي، يعيش في الأبيض والأسود، ويُدرك العالم من خلال تضادّات مطلقة.

اضطراب الشخصية الحدّية هو خلل في نمط التفكير والمشاعر والسلوك والعلاقات. المصاب به يعاني من تذبذب حاد في المزاج، صورة ذاتية مهزوزة، خوف شديد من الهجر، واندفاعية قد تكون مدمّرة. لوهلة، يبدو كشخص عاطفي وحساس، لكن سرعان ما ينقلب إلى كيان غاضب، متألم، يائس، أو حتى مؤذٍ لذاته.

ويُطلق عليه «حدّي» لأنه – بحسب التصنيفات النفسية القديمة – وُضع على «الحدّ» بين العصاب (neurosis) والذهان (psychosis)، أي بين القلق العقلي والانفصال عن الواقع، لكنه اليوم يُصنّف ضمن اضطرابات الشخصية العنقودية B، جنبًا إلى جنب مع اضطراب الشخصية النرجسية، المعادية للمجتمع، والهيستيرية.

لا يُمكن تشخيص اضطراب الشخصية الحديّة بتقلّب المزاج فقط، بل هناك معايير دقيقة وضعها الدليل التشخيصي الإحصائي الخامس (DSM-5)، ويُشترط توافر خمسة أعراض أو أكثر مما يلي:

1. الخوف من الهجر: هلع من ترك الآخر، سواء أكان الهجر حقيقيًا أم متخيّلًا. قد يتوسّل الشخص كي لا يُترك، أو يتصرّف بعنف كي يُجبر الطرف الآخر على البقاء.

2. العلاقات المتقلبة: العلاقات شديدة، لكنها غير مستقرة. يبدأ الشخص برفع الآخر إلى مصافّ القداسة، ثم يهبط به إلى قاع الخيانة، دون أسباب واضحة. الحب والكره يتبدّلان في يوم واحد.

3. هوية مشوشة: مشاعر داخلية بالفراغ، وتغيّر مستمر في القيم والأهداف والهوية الذاتية. لا يعرف من هو حقًا.

4. اندفاعية: في الجنس، الأكل، التسوق، القيادة، تعاطي المخدرات، أو حتى في إيذاء الذات.

5. إيذاء النفس أو الانتحار: محاولات متكررة للانتحار أو التهديد به، وأحيانًا جروح متعمدة كآلية تفريغ.

6. تقلّبات المزاج السريعة: نوبات من القلق أو الغضب أو الاكتئاب تستمر من ساعات إلى أيام.

7. غضب مكبوت أو صعوبة في التحكم به: غضب شديد يصعب تفسيره، وقد ينفجر لأتفه الأسباب.

8. شعور مزمن بالفراغ: شعور داخلي أن الحياة بلا معنى، وأن الذات خاوية من الداخل.

9. أفكار مشوّشة أو بارانويا مؤقتة: في لحظات الضغط، قد يبدو كأنه فقد توازنه العقلي أو يعيش انفصالًا عن الواقع.

جذور المرض: حين تترك الطفولة ندوبًا مثل معظم اضطرابات الشخصية، تتجذّر الشخصية الحدّية في الطفولة المبكرة، حيث يساهم خليط من العوامل الوراثية، العصبية، والبيئية في تشكيل هذه البنية النفسية الهشّة. لكن أبرز الأسباب وأكثرها تكرارًا هو: الصدمة.

فغالبية المصابين باضطراب الشخصية الحدّية مرّوا بتجارب صادمة في الطفولة مثل:

الإهمال العاطفي من الأهل.

الاعتداء الجسدي أو الجنسي.

التناقض في التربية (احتواء مفرط/نبذ مفاجئ).

وحين لا يُمنَح الطفل الحُبّ الكافي، ولا يُدرَّب على تسمية مشاعره، وعندما تكون البيئة الأسرية نفسها مصدرًا للتهديد، فإنها تكبر بجروحٍ غير مرئية، وداخلها «أنا» تبحث عن ذاتها وسط فوضى لا ترحم.

من الداخل: تجربة الحديّ كما هي

حيث يصف بعض المرضى تجربتهم مع هذا الاضطراب كما يلي: «أنا كأنني بلا جلد. أي كلمة تخدشني. أي تجاهل يجعلني أريد أن أختفي».

«كل صباح، أستيقظ وأنا لا أعرف من أنا. أرتدي وجوهًا كي أُرضي الناس، لكني ضائعة في داخلي».

«عندما أشعر بالفراغ، أجرح نفسي لأشعر بشيء، أي شيء».

هذه الشهادات لا تهدف إلى إثارة الشفقة، بل لفهم كيف يُحارب هؤلاء الأشخاص يوميًا مع ذاتهم، وكيف أن فوضى الداخل ليست خيارًا، بل واقعًا يتمنّون التحرر منه.

من يتعامل مع شخص حدّي – سواء كزوج/ة، صديق، أو حتى معالج – يعيش دوامة من التناقضات. فالمصاب قد يعبّر عن الحب بشكل عميق في الصباح، ويُكيل الشتائم في المساء، ويعتذر في الفجر وكأن شيئًا لم يكن.

هذا التقلّب قد يُشعل علاقات عاطفية نارية في بداياتها، لكنها تنهار سريعًا تحت وطأة الصراع، والغيرة، والتعلّق المرضي. ولا غرابة أن الكثير من المصابين يقضون سنوات في علاقات سامة، يهربون منها ثم يعودون إليها وكأنها قدر محتوم.

ماذا عن العلاج؟

رغم كل هذا التعقيد، هناك أمل حقيقي. ومع التقدم في الطب النفسي والعلاج السلوكي المعرفي، ظهر ما يُعرف بـ:

العلاج الجدلي السلوكي (DBT: Dialectical Behavior Therapy) وهو أحد أنجح الأساليب العلاجية المخصّصة لاضطراب الشخصية الحديّة، طوّرته الدكتورة مارشا لينيهان، التي كشفت لاحقًا أنها عانت من هذا الاضطراب في شبابها.

يركز DBT على:

تنظيم المشاعر.

تحمّل الضغوط دون الانهيار.

تحسين العلاقات.

بناء الهوية الذاتية.

إضافةً لذلك، يمكن استخدام مضادات الاكتئاب أو مثبتات المزاج حسب الحاجة، لكن الأدوية وحدها لا تُغني عن العلاج النفسي.

للأسف، يُساء فهم اضطراب الشخصية الحديّة كثيرًا. يتم وصف المريض بالـ«درامي»، أو «م manipulative»، أو «يحب لفت الانتباه»، في حين أن ما يحدث داخله هو معاناة حقيقية.

إن الوصمة الاجتماعية تمنع الكثير من المصابين من طلب المساعدة، وتجعلهم يُخفون ألمهم حتى يصلوا إلى الحافة فعلًا. بل إن بعض المختصين أيضًا - نتيجة الإرهاق أو الجهل - يرفضون التعامل مع هؤلاء المرضى، مما يزيدهم عزلة وألمًا.

كيف نتعامل معهم؟

أولًا: افهم أن اضطرابهم ليس خيارًا، بل نتيجة تراكمات نفسية.

ثانيًا: اضبط حدودك دون أن تؤذيهم، وكن واضحًا في التواصل.

ثالثًا: لا تكن المنقذ، بل كن الداعم الذي يشجّعهم على طلب المساعدة المتخصصة.

رابعًا: احمِ نفسك من الاستنزاف العاطفي، خاصة إن كنت في علاقة قريبة معهم.

هم ليسوا «خطيرين»... بل جرحى

رغم أن بعضهم قد يظهر كمن يُهدّد أو يُهاجم، إلا أن جذور معظم تصرفاتهم نابعة من الخوف، لا العدوان. هم لا يريدون أذيتك، بل يصرخون كي تُبقيهم في حياتك. يجرحونك لأنهم يعتقدون أن الجرح خير من الهجر.

والأهم من ذلك: هم ليسوا شخصيتهم. هم مرضى بحاجة إلى تفهّم وعلاج، لا أحكام قاسية.

كلمة أخيرة على الحافة…

في كل «حدّي» حكاية لم تُروَ، وطفولة لم يُسمح لها بالشفاء، وقلق دائم من أن يُرفض أو يُترك. قد يبدو أحيانًا كأنه يختلق المعاناة، لكنه في الحقيقة يُصارعها ليلًا ونهارًا.

ولعلّ أجمل ما يمكن أن نقدمه لهم، كمجتمع، وكأطباء، وكأصدقاء، هو أن نراهم بعيون الفهم، لا الخوف. أن نمنحهم فرصة جديدة كل يوم، كما يمنحون الحياة فرصة رغم الألم.

فربما في لحظة، بين صرخة وجع ودمعة ندم، يمتدّ خيط أمل… يشدّهم إلى الحياة، ويأخذهم خطوة إلى ما بعد الحافة.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }