صلاح الحوراني فنان له آفاق وتجليات، منذ أن ينطلق بالحديث أو تقرأ في عينيه شغفًا بالمسألة أو الموضوعة قيد الحوار أو النقاش، والتعامل معه يجب أن يكون انطلاقًا من هذه الصفات التي يتمتع بها الفنان الذي يقبل بفرح وثقة على الأعمال الأدبيّة الروائيّة الأردنيّة، مخرجًا أو ممثلًا، ويطول الحديث معه بشأن تفاصيل كثيره ربما لا يستطيع المرء استعادتها لفرط عمقها، ولأنه قبل أن يكون فنانًا هو مثقف منسجم مع مجتمعه، ويفهم الرساله الإنسانية للفن.
ولذلك، فالمساحه التي تعطى له في النقاش والفكر والأعمال الفنية، بالتأكيد هي أكبر من مجرد أدوار يؤديها على المسرح وتنتهي بانتهاء هذه الأدوار، فالرجل له نظرته للمنتج الثقافي الأردني والمسرح والسينما وكل الفنون، والأعمال الأدبية.
وفي أحدث تنظيراته، حول العمل الروائي الذي يقوم بإخراجه، وهو رواية «النهر لن يفصلني عنك» للكاتب رمضان الرواشدة، بُهرتُ بما لديه من رؤية إخراجية وثقافية أيضًا، وأنّ هذه الرؤيه مستمرة، كما في استعادته «قبعتان ورأس واحد» لمؤنس الرزاز، والمهطوان»، و"النهر لن يفصلني عنك» لرمضان الرواشدة.
في «النهر لن يفصلني عنكِ» وجدتُ أنّه ينطلق من شغفه بالرواية، وظلال هذه الرواية، وحديثه عن الهويات الثقافية والإنسانية، والعلاقة الأردنية الفلسطينية العميقة، والروابط والأواشج التي هي ليست كلامًا يقال، بل أفعال ومشتركات امتحنتها الظروف ويجب أن تستمر على الوتيرة الفطرية والطبيعية التي يرجوها، ونرجوها نحن، ويرجوها جلالة الملك والدولة الأردنية، بوعيها وأفكارها، ولذلك فهو يقرأ الشهادة الأردنية لفلسطين من خلال الرواية الإبداعية، بأنها عالم يمور بالحب والتساؤلات والواقع والمتخيّل كنخبوي وفنان ومثقف، والتسميات والمفاهيم التي خرجت من رحم المعاناة، ومن رحم القربى بين طرفي النهر.
في الواقع هذه ربما إطلالة ليست كافيةً لقراءة فكره واندماجه وحديثه عن أدوار الصحافة والإعلام ووزارة الثقافة وأمانة عمان والهيئات الثقافية والمسرح الأردني والسينما والهيئة الملكية للأفلام ومؤسسة عبدالحميد شومان، وكثير من هذه الحقول والمؤسسات.
وقد وجدتُ له آراء خاصة وعميقة في ذلك، وبما أنّ حوارنا سيكون قريبًا مع هذه الشخصية الفنية الخبوية الشعبيّة الإنسانيّة، نترك للقراء ما كتبه في إخراجه لهذه المسرحية، مسرحية «النهر لن يفصلني عنك"؛ إذ يقول:
"النهر لن يفصلني عنكِ «ليست حكاية حربٍ فقط، بل صراع ملحمي لصلاة دموية قديمة ممتدة، بين نوايا خبيثة في صلب سيدنا المسيح على بلاط الأرض المقدسة وذبح إبن خالته يوحنا المعمدانى في «مَكَّاوِر» على تلال الخاصرة الجنوبية لمدينة مادبا، وشلال الدم في يومنا هذا، والقادم أخطر على جسد إنساني ممزق بين مخزون ذاكرة المكان الحي والجراح القديمة. في شهادة حارقة على ما تبقى من الإنسان في مواجهة الخراب، وما تبقى من الحب وسط الرماد.
نَعْبُرُ في عرضنا المسرحي من نهرنا المقدس إلى الذات، ومن غَربنا الجريح النازف إلى القلب الذي لم يكفّ عن النبض بالأمل، «سالم» الضابط والطبيب الأردني المناوب في المستشفى العسكري في غزة، تطارده أشلاء الحرب المتوحشة على أخيه صاحب المكان، فلا يكون شخصية عابرة، بل هو شاهد نزف الذاكرة الجمعية. ليرى في المذبوحة مريم، صورة لفلسطين، الأم والحبيبة والأرض المقدسة. أما «القرين» فيرافقهما كظلٍّ من ضميرٍ عالق بين الفقد والرجاء، يقود وجدانهما الباطني في رحلة كرنفال الدم. لنعيد طرح السؤال: هل يمكن للروح أن تشفى في زمن التشظي؟ وهل ندرك رسالة نهرنا القديم المقدس في وحدة المصير والدم والحنين إلى المجد؟
يمتزج في مسرحنا الطقس بالمشهدية، والوجدان بالحقيقة، والنشيد بالصمت. فنغني القدس، ونبكي غزة، ونشهق باسم عمان وعجلون والكرك، لنمشي حفاة على ضوءٍ من حبّ لا يُخْذَلُ. فبين دفوف الْمَوْلَوِيَّة ومقامات الإنشاد الصوفي، بين صوت الآذان والأجراس، بين الطفلة الجريحة الجائعة ولهيب الذاكرة المشتعلة، يصعد عرضنا كطقسٍ ملحميٍّ يعانق فيه الشعر الموسيقى، والمكان الزمان، والإنسان بتوأمه الإنسان.
عرضنا المسرحي هذا ليس بيانًا سياسياً، بل نداء وجداني لإنسانٍ عربيٍّ ما زال يؤمن أن مصاب فلسطين يُنزَفُ من قلب الأردن، وأن الحرية لا تتجزأ، ولا هوية الجغرافيا، ولا التاريخ، ولا منطوق الحق. فنقدم مسرحًا يرفع وثيقة إنسانية جمالية في وحدة الأرض والكرامة والمصير. نداء للضمير، ومرآة نُحدّق فيها جميعًا كي لا ننسى من نحن، وماذا خسرنا، وما الذي لا يزال يستحق أن نؤمن به.