على خشبة مهرجان ليالي المسرح الحر الـ20، فجّر العرض التونسي «لاموضى» للمخرج والسينوغراف الطاهر عيسى بن العربي مساءً مختلفًا، عملًا مسرحيًّا يحفر عميقًا في عوالم الموضة، ليكشف عن وجهها الآخر، وجه الهيمنة الربحية وابتلاع العقول تحت سطوة الشاشات وحمى التسويق الرقمي.
تُفتح الستارة على مشهد تتداخل فيه الجمالية بالتهكم، امرأة أدّتها شيماء فتحي تتدلّى داخل حلقة معدنية معلقة، تُجسّد «المرأة القطة» في حضورها الغامض، فيما امرأتان ترتديان الأبيض، وشابٌ إفريقي لعب دوره صالح بلقون يطلقون ضحكات ساخرة، «الآن يبدأ عرض الصحفي الفذ!»، جملة تنطلق كطلقة افتتاحية تعلن عن كواليس لا عرض أزياء تقليدي.
“فريدة» الخياطة، المرأة الشقراء، تظهر هاربة، لا من شخص، بل من خوف يلاحقها. مشهد يقطع السخرية بقلق واضح. وبين الهروب والمطاردة، تبدأ عروض الأزياء التي تشارك فيها منار طنقور، صندرو الماطري، وعبير الصميدي، بينما تنزل «المرأة القطة» خلفية المسرح لتقدم رقصة مشحونة بالإيحاءات.
على الخشبة، تتوالى الشخصيات وكأنها قطع شطرنج في يد قوة خفية، امرأة ذات جدائل طويلة أدتها سارة الركباني تسيطر على «فريدة» وتجعلها رهينة لها، مصمم أزياء، معصوب العينين وملطخ بالدم، يظهر، تتقاطع الطرق بينهم وبين «فريدة»، التي رغم تعاطفها، تصطدم بانحرافه وسقوطه في فخ الغريزة.
صوت خفي يعلو من العدم، يأمر الاثنين بالتعاون لإنجاز عمل إبداعي، يبرر سلطته بأن الموضة سيطرت على العقول وصارت أداة هيمنة اقتصادية، وأنهما الآن داخل استوديو تصوير واقعي، مُرغمون على تقديم عروضهم أمام العالم.
تتصاعد الأحداث بين سجال فكري وعقائدي؛ «فريدة» المتشددة التي تهرب من ابتذال الموضة، والمصمم المتحرر حتى التفسخ، جدلية صمم المخرج على إبرازها، عبر تداخل الحوارات مع العروض الراقصة والحركات السيركية التي أبدع في تقديمها الراقصون المحترفون، عروضٌ لم تكن للفرجة فحسب، بل رسائل بصرية ترمز لكون الجميع «دمى مربوطة بخيوط» النظام العالمي.
بقيادة شيماء فتحي وسارة الركباني، اللتين أمسكتا سوط السلطة على الخشبة، وبمشاركة استعراضية حية من صالح بلقون، بدا المشهد أقرب لعالم سريالي يحاكي ما وراء صناعة الأزياء، حيث التهديدات بالسلاح والسوط جزء من سياق السيطرة، لا مجرد زينة عرضية.
في الخلفية، تماهى الإخراج مع تفاصيل الإضاءة والصوت الذي نسجه عزيز بالحاج، والتقنيات التي تولى إدارتها عادل الشعباني، ليكتمل المشهد بموسيقى علي الجزيري، وإدارة الإنتاج التي قادها أمير الدريدي بحضور ديناميكي داخل العرض أيضًا، حتى صوت يزن أبو سليم الذي شارك غنائيًا، جاء ليضيف طبقة وجدانية على المشهد المسرحي.
لكن «لاموضى» لم يكن عرضًا صامتًا أمام وجع العالم، فبمشهدية خاصة، حملت شيماء فتحي الثوب الفلسطيني، ولعبت بالنار حرفيًا، تطفئها في فمها، كأنها تقضم الألم الفلسطيني، مشهد إضاءة المخرج بلوحة اعتراف للنكبات، لا سيما فلسطين، حيث أكّد في حوار خاص أن صورته الافتتاحية لشبيهة الطفلة الفلسطينية «شروق»، التي أحبها في طفولته وخطفها الموت، لتظل حاضرة في أعماله، مهما تباعدت موضوعاتها عن السياسة.
هكذا أراد الطاهر عيسى بن العربي أن تكون عروضه، حتى وإن لم تكن سياسية، مشحونة بدلالات لقضية فلسطين وأي أرض تنزف وكل شعب منكوب حتى الهنود الحمر كان لهم رمزية حملها العرض في مضمونه.
ختام العرض، لحظة امتنان نزل فيها العارضون من الخشبة نحو الجمهور، ليقدموا لهم غصن زيتون ويمسكوا بأيدي بعض الجنود العاملين في المهرجان، يرافقونهم إلى الخشبة ليقدموا التحية جماعيًا… لحظة كسرت الجدار الرابع، وفتحت أفق الامتنان بين المسرح والجمهور.
“لاموضى» لم يكن مجرد عرض أزياء أو استعراض مسرحي، بل صرخة جمالية تعري استعباد الموضة والمال للعقول، وتعيد السؤال الأهم، هل ما نرتديه هو اختيار حر، أم قيد مشفر داخل نظام عالمي خفي؟