ببساطة، ودون تزويق، الفنانة نجوى كرم فعلًا فنانة لكل الأجيال؛ فقد كان حضورها واضحًا في حناجر الجمهور المتنوع ما بين الشباب والكبار واليافعين، وفي الليلة الطربية المشهودة الخميس على مسرح المدرج الروماني بعمّان، فوجئتُ بأنّ الجميع كان يحفظ أغاني الفنانة نجوى كرم، ويردد هذه الأغاني، لدرجه أنّ من الحضور من كاد يطير في الهواء لفرحه بهذه الفنانة، وأدائه معها؛ إذ كانوا من كلّ شرائحهم يكملون الأغاني ويسابقونها في مواويلها وأغانيها القديمة والسريعة، مطلقين الآه من داخلهم، وهم يرددون معها، ويطالبونها بإعادة المقطع أكثرمن مرة.
في الواقع، هذا معناه أنّهم أحسّوا بهذه الأغاني، وبالطاقة العجيبة للفنانة «شمس الأغنية العربية»، وبالتأكيد فهم يسقطون هذه الأحاسيس على واقعهم وأحزانهم العاطفية ورؤيتهم للحياة، وذاتهم العربية الإنسانيّة التي تتمزق أو تغيب، بسبب الحروب وتغيرات الإقليم، وفي خضمّ بحثهم عن الطمأنينة والاستقرار.
نعم، الذات التي نفتقدها في هذا العصر، ونحن نتوق إلى السلام، والابتعاد عن الثنائيات والعيش في عالم يسوده الأمان، فنطلق مع الفنانة ما أجّلنا حضوره قسرًا عنّا، كأحاسيس طبيعية وحق مشروع.
ما ميّز نجوى كرم أنها كانت واثقة في مشروعها الغنائي وتتوافر على مخزون كبير من الدفقات العاطفية والإنسانية، والصوت الرائع، وهي علاوةً على ذلك فنانة مثقفة وذات حضور مميز حتى في برامجها في رعاية المواهب وتحكيم هذه المواهب.
وحين سُمّيت نجوى كرم بـ"شمس الأغنية العربية»، فهي بالفعل قد استحقّت هذا اللقب الجماهيري النابع من قلوب محبيها من الجمهور الواسع الذي له معرفة حقيقيّة وقلب صادق بالجميل والراقي من الفن.
ومع هذه الدفقات الصادقه والمعبّرة، ومع أنّه من الصعب حصر كلّ أغاني نجوى كرم المتتالية، إلا أنّ الأهم هو مدى ملامسة هذه الأغاني والأحاسيس للجمهور؛ باختصار: لأنّ ربة البيت، والعائلة العربية، والشباب، وكلّ الأعمار، ما تزال تتغنى بأغانيها وتجد فيها ما نفتقده في عصر ديجيتالي سريع، فالكبار نسبيًّا في العمر يفرحون بمواويل هذه الفنانة، صاحبة الحسّ الجبلي الجميل والآسر والمتميز بالأشجان، كما أنّ الشباب يفرحون بأغانيها الحديثة، وهكذا فهي فنانة لكلّ الأجيال.
وهي مسألة مهمّة، أن يكون الفنان مطربًا لكلّ الأجيال، وفنانًا لكل الشعب، فيأخذ شرعيته الحقيقيّة ويحافظ على حضوره المستمرّ من هذا الجمهور.
وبدعوة كريمة من شركة مومنتس إيفانتس، الجهة المنظمة لهذا الحفل والتي خلقت أجواءً رائعة للإعلاميين والصحفيين لمتابعة فقراته عن قرب وبكلّ حفاوة واحترام، وبتنسيق من المستشار الإعلامي مراد النتشة، لحضور هذا الحفل،.. كان يلفتنا التعبير الراقي للجمهور، والانسجام التلقائي لهذا الجمهور، بكل شرائحه المجتمعية والشعبية، فقد كان حاضرًا، وكأنّه كتاب يشتمل على سيرة الفنانة الطربية في أغانيها القديمة والحديثة.
هذا يعني أنّ الفن لدينا في الأردن لم ينضب، وأننا في طليعة الشعوب العربية التي تحترم الحضور الفني للأشقاء العرب والأصدقاء الأجانب في بلدنا، حين تندمج الفنون بالسياحة بالثقافة بسمعة بلدنا واحتضانها لفنانين كبار، في المدرج الروماني وفي جرش وفي البترا ووادي رم وأم قيس وفي كلّ مكان.
وفي الحفل الذي دعي إليه زملاء وزميلات من الصحف والتلفزيونات والمهتمين، كانت الفنانة نجوى كرم تغنّي بسخاء دون انقطاع؛ فالفنان حين يشعر باندماج جمهوره معه يستنفر كلّ طاقاته لهم، وهذه الفنانة التي ظلّت حاضرة في مهرجان جرش لأكثر من دورة، استطاعت أن تجعل الجمهور بتلقائيّته يحتشد في المدرج الروماني حاملًا لافتات محبّة، ومنطلقًا بهتافات تُشعر الفنان بأنه بالفعل إنسان من الناس وإليهم، وأنه إذا أراد أن يحافظ على صلته بهم عليه أن يتخلّق بأخلاقهم، ويكون محبًّا لهم، ويظل على عهدهم به وفيًّا لآهاتهم وأنفاسهم ودموعهم، فلا يعلو عليهم لسبب أو لآخر.
ونعتقد أنّ نجوى كرم من النوع الذي أثرى هذا الجيل والجيل الذي قبله، بما للأغاني الأصيلة والحس الطربي الجميل من تأثير، وهو ما يشكّل تجليات حقيقية غير مصطنعة للفنان ودون ثقل على الجمهور.
حفل رائعة، ومؤتمر صحفي طيّب عقب الحفل، قدمت فيه الفنانة الكبيرة نجوى كرم محبتها للأردن ورؤيتها للمكان الأردني وغنائها لعمان ولبنان في مواويل ضاجّة بالجمال.
ختامًا، نستطيع أن نقول وبكلّ قوّة إنّ نجوى كرم بالفعل هي سفيرة للأغنية اللبنانية والأغنية العربية، وهي شمس لاتغيب، من خلال مقاطع أغانيها وعناوينها الإنسانيّة، وروعة هذه الأحاسيس التي لا تتجزأ، فلا تبقى مرهونة بجيل دون الآخر؛ لأنّ العاطفة حتمًا تستنسخ من جيل إلى جيل، ونحتاج إلى من يحافظ عليها، فيستمر الإحساس، ونستعيد جزءًا من رومانسيتنا التي أضعناها رغمًا عنّا، بسبب معطيات هذا العصر وظروفه الماحقة على أكثر من صعيد.