في قلب محل خياطة متواضع، وسط أقمشة منسدلة، وملابس معلّقة على شماعات صامتة، تدور ماكينة المسرح العماني لتغزل على خشبة مهرجان المسرح الحر الـ20 بالأردن عرضًا يحاكي واقعًا أكبر من مشهد إنه واقعنا.
“العاصفة” نص الدكتور عماد الشنفري، وإخراج وسينوغرافيا عدي الشنفري ليست مجرد مسرحية، بل مجاز مفتوح على واقع يلتبس فيه الجد بالهزل، عامل بسيط وخياط تقطعت بهم سبل الرزق في ظل كهرباء مقطوعة وأخبار دموية عن غزة، يهربان من قهر اليومي بارتداء زيّ بحري. لحظة عبث مسرحي ينقلب فيها اللعب إلى محاكاة شديدة القسوة لمشهد سياسي مألوف، سفينة تتهاوى وسط عاصفة، ومساعد قبطان يقترح رمي الركاب الفقراء في البحر لإنقاذ الطبقة العليا وكراسي السلطة.
يرفض القبطان، في موقف أخلاقي نادر، أن يبيع ضميره، ليصرخ في وجه العبث، لن أضحي إلا بك أنت، كأنه يستعيد صوت الضمير الجمعي الذي غيّبه ساسة المنصات ومهندسو الأزمات.
العرض حمل توقيع عبد الله المردوف وهشام صالح أداءً، وعزة القاسمي أزياء ومؤثرات، وديكور هشام الجميل ينتهي عند تلك اللحظة التي تنكسر فيها اللعبة على واقع الحياة، تعود فيها ماكينات الخياطة للدوران، ويعود العبيد إلى أعمالهم وكأن شيئا لم يكن.
أما الكلمة الأخيرة فكانت للمخرج، الذي غرّد خارج النص قائلًا:
“من يزرع الريح… يحصد العاصفة.”
“العاصفة” ليست مجرد نقد اجتماعي، بل صفعة فنية موجعة تكشف آليات الاستغلال السياسي والاجتماعي، حين تصير الشعوب مجرد حمولات زائدة على سفينة لا يقودها الربان، بل تديرها المصالح.