كما كانت رسائل إمحوتيب التي وصلت إلينا عبر التاريخ بمثابة اول توثيق علمي لما يعتقد أنه حالة سرطان ،فقد جاءت المومياوات المصرية لتكون تربة خصبة لدراسة أسباب الوفاة عند هؤلاء، ولتحسم الجدل الدائر حول قدم هذا المرض باستخدام وسائل عصرية.
ولا أدل على ذلك من الجدل الدائر حول سبب وفاة الملكة حتشبسوت ،التي انتم الى الأسرة الثامنة عشر في مصر القديمة ،حيث تعد هذه الملكة الغامضة واحدة من النساء القلائل اللواتي حكمن مصر ،بل كانت أطولهن بقاء في السلطة رغم عدم مباركة المؤسسة الدينية لها.
لقد تم اكتشاف قبر حتشبسوت على يد «هوارد كارتر"في عام 2007،وكان القبر يحتوي على جثتي امرأتين،يرجح أن تكون للملكة وإحدى وصيفاتها،واستنتج العلماء من خلال فحص جثة الملكة أنها توفيت بالسرطان،اذ حمل هيكلها العظمي آثار أورام نقيلية غير محدد المصدر،كما يعتقد العلماء أنها كانت تعاني من السمنة،ونحن نعلم اليوم أن السمنة واحدة من أهم عوامل الخطورة للإصابة بالسرطان.
أما في القارة الأوروبية التي تحتوي متاحفها على العديد من المومياوات المصرية التي سرقت أو أهديت لهذه الدول،وتحديدا في متحف «وارسو", فقد توصل فريق بحثي بولندي إلى أن السرطان المنتقل إلى العظم،قد يكون سببا في وفاة إحدى أشهر المومياوات في العالم،والتي يطلق عليها اسم المومياء الحامل،لكون رحمها ما زال يحوي جنيناً متحجراً.
ولعب التصوير الطبقي المحوري دورا مهما كشف للعلماء عن وجود فجوة عظمية في قاع جمجمة هذه المرأة،والتي يعتقد بأنها تشكلت نتيجة إصابتها بسرطان البلعوم الأنفي،والذي عادة يغزو قاع الجمجمة كمحطة إجبارية في طريقه إلى الدماغ،وعندما قرأت خبر تشخيص هذه المومياء الحامل بالسرطان،عادت بي الذاكرة إلى إحدى المريضات اللاتي عرفتهن،وهي سيدة في أواخر العقد الثالث من العمر،وكان قد مضى على زواجها أربع سنوات عندما أصيبت بالمرض،ولم ترزق خلالها بطفل،مما دفعها ألى محاولة الحمل عن طريق ما يسمى شعبيا بأطفال الأنابيب أو محاولة التخصيب خارج الرحم،ويشاء الله أن تحمل هذه السيدة بعد عدة محاولات فاشلة،وءات يوم بينما كانت تستحم،ارتطمت يدها بجسم غريب شعرت به في أحد ثدييها،وفي صباح اليوم التالي هرعت إلى طبيبتها النسائية،والتي كانت من الفطنة أن حولتها إلى قسم الأشعة لإجراء صورة بالأمواج فوق الصوتية لكونها حاملاً،فهناك بعض المحاذير في حالة الحمل للتصوير الشعاعي،خشية من تأثير الأشعة في الجنين،رغم أننا نلجأ لاستخدام الأشعة في بعض الحالات مع أخذ الاحتياطات الضرورية فيما إذا غلبت المنفعة المرجوة من الصورة الضرر المحتمل،ومن ثم قام طبيب الأشعة بأخذ خزعة من الورم تحت مراقبة جهاز الالتراساوند،وثبت تحت المجهر أنه ورم سرطاني،لكن الفحوصات التالية لم تثبت وجود انتقال الى الاعضاء الاخرى،وبما إن الحمل كان في مراحل متقدمة،فقد آثرت المريضة بالاتفاق مع الأطباء الانتظار،والبدء بالعلاج بعد الولادة،وهذا ما تم،اء أجريت لها عملية استئصال جزئي للثدي خضعت بعدها لعدة جلسات للعلاج بالأشعة العلاجية الموضعية،والكيماوي بغية السيطرة على الورم موضعيا وعلى امتداد الجسم،وقد شفيت منه تماماً،واظن أن وليدها اليوم على أبواب الحياة الجامعية،وإن كان هناك من فضل فيما آل إليه وضع المريضة فهو بعد الله،لطبيبتها النسائية التي لم تهمل الموضوع،وقامت بتحويلها لعمل الفحوصات اللازمة،وللفريق المعالج متعدد الاختصاصات الذي صهر خبرة ومهارة أعضائه في بوتقة واحدة لصالح المريضة.
وفي المقابل فقد مرًت بي العديد من الحالات لمريضات راجعون أطباءهن لنفس الشكوى،وتم تطمينهن إن ما يعانين منه مجردد غدد حليبية،او تغيرات طبيعية في الثدي ناتجة عن «خريطة هرمونات» ثم يفاجأن بعد مرور عدة أشهر بوجود ورم سرطاني منتشر،وهذا ما يوكد مرة بعد أخرى أن معركتنا مع السرطان هي معركة وعي أولاً وثانيا وأخيراً.
ومرة أخرى نعود إلى رسائل الفراعنة التي انتقلت إلينا عبر الزمن،فها هي مومياء مصرية مهاجرة عبر البحر المتوسط،لكن ليس على قوارب الموت التي أصبحت ظاهرة منتشرة هذه الأيام،وقد استقرت هذه المومياء التي يقدر عمرها ب ٢٢٢٥عاما في لشبونة عاصمة البرتغال،والتي تم تشخيصها قبل سنوات إذ تبين أنها لرجل توفي في العقد السادس بسرطان البروستات المنتشر في عظام الحوض وفي الفقرات القطنية،وهذه الاماكن ما زالت هي المحببة لهذا النوع من السرطان للاستيطان فيها،وهي تختلف شكلاً ومضموناً عن تلك الناجمة عن معظم أنواع السرطان الأخرى،بشكلها الابيض المميز عند تصويرها شعاعيا نظرا لكثافة الورم العظمي.