أشاد أدباء ومثقفون وإعلاميّون بتجربة الزميل الصحفي والأديب حسين جلعاد، في الشعر والرواية والصحافة الثقافيّة، وما قدّمه من تداخل شائق في مزج أجناس أدبيّة وصحفيّة، أثْرت جمهورها المثقف في التسعينيات وما بعد الألفيّة، خصوصًا في كتابه الأحدث «شرفة آدم» الذي احتفى به الوسط الثقافي الأردني والعربي، واحتضنت حفل إشهاره أول من أمس رابطة الكتاب الأردنيين، واشتمل على حوارات أدبيّة وثقافيّة نوعيّة لأجيال متنوعة من المبدعين.
وفي الحفل، الذي قدّم فيه الناقد والأديب الدكتور محمد عبيدالله ورقةً بعنوان «شرفة آدم..تأملات في الأدب والوجود»، أكّد متحدثون حضور الجانب الثقافي والإبداعي لدى حسين جلعاد الذي عمل في غير صحيفة محلية وعربية، وأصدر مجموعات شعريّة وقصصية لافتة ومقالات جادّة، ورأوا أنّ من المهمّ للصحفي العامل في الحقل الثقافي أن ينتفع بالقراءة والاطلاع وأن يكون منسجمًا مع الوسط الثقافي والأكاديمي والإبداعي الأدبي تحديدًا، وغير مقحمٍ عليه، متخذين من حوارات ومقالات جلعاد نماذج في قراءته الأسطورة على سبيل المثال، ومعرفته بسِيَر ال?عراء والجانب الخفي فيها من خلال ما قرأه في أعمالهم الأدبية نفسها، وهو ما جعل من الصحافة الثقافيّة قبيل الفورة الرقميّة وسيطًا رائعًا بين الكاتب والقراء، ومجالس للسؤال عن أيّ منتجٍ جديد في عالم الأدب.
وقارب أدباء وصحفيون، في مداخلات ارتجاليّة، خلال حفل الإشهار الذي أداره الشاعر مهدي نصير، بين موضوعات فلسفيّة وجدانيّة لجلعاد وتراث عربي وعالمي حافل بالحضور، وقالوا إنّنا نحتاج إلى جلسات نقديّة وأدبيّة حميمة نفتقدها اليوم، وكانت الصحافة فيها رديفًا لكلّ منجز جديد، بما كانت تشتمل عليه من ملاحق ضاجّة بالإبداع والتعريف بالكتّاب، ورأوا أنّ الزميل جلعاد ظلّ مخلصًا للغته الشعريّة وأسلوبه الجاذب وثيمه الموضوعيّة التي اشتغل عليها في حواراته وأعماله الأدبيّة.
من جهته، قال جلعاد إنّ حواراته الصحفيّة كانت جزءًا من السيرة الذاتيّة، لأدباء وكتّاب زاملهم وسار معهم وأخذ عنهم، مؤكدًا غنى الساحة الأردنيّة بالمبدعين الذين علينا إبرازهم والعناية بمراحلهم وإرهاصاتهم، متحدثًا عن أهميّة الأدب كصيغة أكثر ديمقراطيّة ومرآة لداخلنا، ونستطيع أن نحلّق معه إلى أيّ مدى.
وقال إنّه في «شرفة آدم»، ترك مساحات للأسئلة مع شخصيّاته، قد لا تبدو ظاهرةً لمن عرفهم، لكنّها تتخلل ما كتبوه وتحتاج إلى قراءات متأنيّة وتفاعليّة مع مواضيعهم وقضاياهم والجانب السيسيوثقافي لهم.
وأكّد جلعاد أنّ مادة حواراته كانت تستند إلى معرفة مسبقة بسِيَر أصدقائه وزملائه وجوانبهم الاجتماعية وطموحاتهم وآمالهم ومحدداتهم وهواجسهم، ومفارقاتهم وذهابهم إلى مناطق مؤلمة تدلّ على انغماسهم في مشروعهم الأدبي والثقافي.
من جانبه، رأى الدكتور عبيدالله أنّ الكتاب الجديد لحسين جلعاد صورة جديدة من ثراء العلاقة بين الصحافة والأدب والثقافة، باعتبار هذه التأملات في الوجود والأدب، والمعنونة بـ (شرفة آدم)، هي كتابات صحفية أنجزها جلعاد أثناء عمله في الصحافة الأردنية والعربية في العقدين السابقين، وأعاد تنظيمها وتحريرها وتأطيرها لتظهر مجتمعة في هذا الكتاب الذي يحمل قدرًا طيبًا من مشاغل الثقافة العربية الراهنة، مثلما يحمل اهتمامات جلعاد نفسه، ونظرته لجوانب تلك الثقافة، وتساؤلاته وتأملاته الخاصة التي يمتزج فيها الخاص بالعام، والذاتي با?موضوعي في جدل ثقافي وفكري يظهر لنا جدية تجربة جلعاد وجيله من المثقفين والمبدعين الذين وجدوا في الصحافة شيئًا من ضالتهم للتعبير عن بعض مشاغلهم الثقافية والفكرية.
دلالة التسمية
وحول عنوان الكتاب، قال عبيدالله، في حفل الإشهار الذي أداره الشاعر مهدي نصير، إنّ (شرفة آدم) تسمية لافتة، تظهر أهمية العنونة في بيان هوية الكتاب، ومرامي مؤلفه، بل تكشف عما يراه مؤلفه خيطًا ناظمًا أو جامعًا لأطرافه وأشتاته في بنية واحدة، كخيط يحوّل مقالات وكتابات أعدّت ونُشرت منجّمة متفرقة أول مرة إلى وحدة مجموعة في هيئة «كتاب»، فأضاءت المقدمة هذه التسمية ودلالالتها بحسب رؤية المؤلف، انطلاقًا من استعارة بدئية ترجع إلى فاكهة آدم «المحرمة» أو «الممنوعة» وربطها بدلالة المعرفة، وبطبيعة الأدب ووظيفته، ذلك أنّ الأ?ب- وفق تصور جلعاد- «هو نصف التفاحة التي هبطت بعد أن أوقعها آدم وحواء، لكنها لم تعد محرمة، بل أصبحت وسيلة تضيئنا من الداخل والخارج».
وعرّف عبيدالله بالكتاب الذي يضمّ جانبًا مشرقًا منتخبًا من حصيلة حسين جلعاد في الصحافة الثقافية في نحو ربع قرن من الزمان، وتطلّعه من خلال نشر هذه المجموعة المختارة من مقالاته وكتاباته إلى «استعادة جزء من ذاكرتنا الثقافية»، ذلك أنّ هذا الكتاب وفق تعبير مؤلفه «ليس مجرد مجموعة من المقالات والحوارات، بل هو محاولة جادة لفهم اللحظة التاريخية التي نعيشها، وتقديم قراءة نقدية لمسار الأدب العربي المعاصر، وكذلك الأدب العالمي، ودعوة إلى الحوار والتفكير النقدي، وإلى استكشاف الجذور الثقافية التي تشكل هويتنا».
الأدب والصحافة
وقال الدكتور عبيدالله إنّ من أبرز علامات التقاطع بين الصحافة والثقافة ما نلاحظه من حضور الأنواع الكتابية الصحفية وفي مقدمتها أنواع: المقالة، والتحقيق، والحوار الصحفي، ويمكن أن يجد المهتمون بهذه الأنواع نماذج راقية تتوفر على عناصر متشعبة شكلًا ومضمونًا، ومن خلال تحليل تلك العناصر يمكننا التعمق في بعض خصائص الأسلوب التي طورها جلعاد أثناء تجربته وعكوفه على هذه الكتابات الثمينة، فالمقالة بحكم شروط نشرها موجزة محدودة الحجم من ناحية عدد الكلمات، وهي مثال لبلاغة الإيجاز، وكيفية التعبير عن قضايا مهمة وحيوية بأقل ع?د من الكلمات، وهنا يمكن أن نؤشر على بعض ما يتعلمه الكاتب من مطالب الصحافة، وكيف يمكنك التعبير بامتلاء بعيدًا عن الإطالة والاستطراد، وكيف تختزل وتكثّف دون الإخلال بالمضامين التي تريد التعبير عنها، وإلى جانب ذلك لا بد أن تنطوي المقالة على عناصر مهمة في بنائها، فهي تبدأ عادة بمقدمة أو مفتتح يشكل مظلة شاملة للموضوع، أو وضع الفكرة المطلوبة في سياقها الفكري والثقافي، قبل أن تجري معالجتها في الفقرات التي تشكل صلب المقالة وجسمها الأساسي، وصولًا إلى خلاصة أو نهاية تتردد فيها رسالة أو توجيه أو نتيجة مطلوبة.
بلاغة «التحقيق» الثقافي:
ورأى عبيدالله أنّ الكتاب يعطينا فرصة لمراجعة جانب من التحقيقات التي أعدّها جلعاد حول قضايا ثقافية مهمة، واستند فيها إلى آراء المهتمين والخبراء، مثلما يظهر في ثلاثة أمثلة بارزة تضمنها الكتاب تحمل العناوين الآتية: لماذا يختلس الكاتب سيرته الذاتية؟، ترجمة الأدب الأردني، حفيدات شهرزاد في الأردن يتصدرن المشهد القصصي. فالتحقيق الثقافي وفق تحليل هذه الكتابات ليس جمعًا لآراء متباينة وتقديمها كيفما اتفق، وإنما يخضع لرؤية الكاتب ويتطلب عدة مراحل، قبل أن يستقر في صورته الأخيرة المنشورة، ويقرب أن يكون دراسة استقصائية ?ا تنجو من تحليلات ومجادلات توجه القارئ وتفيده وتمتعه، فالتحقيق يبدأ بمقدمة شاملة تكثف الإشكالية التي يطرحها التحقيق، وتعرض أبعادها وأسئلتها المهمة، ثم يقوم الكاتب بتقسيم مادة التحقيق إلى قضايا أو محاور فرعية، يعرض فيها إجابات المشاركين على كل محور، دون أن يتخلى عن دوره في وضع كل إجابة في سياق معين يخدم مسألة من مسائل الإشكالية المطروحة.
الحوار الثقافي
وأشار عبيدالله إلى القسم الثاني من هذا الكتاب والذي يتضمّن ستة عشر حوارًا أجراها جلعاد مع أدباء ومثقفين من بلدان واهتمامات متشعبة: (قاسم حداد، إلياس فركوح، محمد بنيس، مؤيد العتيلي، إدواردو سانجونيتي، واسيني الأعرج، تيسير نظمي، أمير تاج السر، حكمت النوايسة، محمد العامري، نهاد سيريس، زياد بركات، شاكر لعيبي، أحمد راشد ثاني، سيف الرحبي، إسكندر حبش).
ورأى عبيدالله أننا عندما نقرأ هذه الحوارات اليوم، ورغم مرور سنوات على إجرائها، فإنها ما زالت تحتفظ بحيويتها وقيمتها، ويعود ذلك إلى نوعية الأسئلة والقضايا التي تثيرها، فجلعاد مثال نادر للمثقف والإعلامي الذي يبذل جهدًا استثنائيًّا في الحوارات، يظهر ذلك في اختياره للشخصيات الثقافية التي يحاورها، وفي ابتعاده عن الأسئلة النمطية أو الجاهزة، وعلى بحثه عن أسئلة نوعية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتجربة الشخصية التي يحاورها، وما يتطلبه ذلك من قراءة واطلاع على إنتاج تلك الشخصية، بحيث يشكل الحوار إطلالة عميقة على التجربة، و?شكل مدخلًا مهمًّا من مداخل قراءتها، يضاف إلى ذلك مقدمات الحوارات التي تبنى من عدة عناصر: موجز السيرة، وأهم القضايا التي يطرحها الحوار، والسياق الثقافي الذي يحيط به، مما يجعل من المقدمة نفسها مادة ثرية تضاف أهميتها إلى الآراء والأفكار التي تتردد في الأسئلة والإجابات.
وقال عبيدالله إنّ الكتاب يظهر جانبًا أصيلًا من ثقافتنا وأدبنا، في الأردن والعالم العربي، إلى جانب إطلالات لافتة على الأدب العالمي، فإذا كانت النظرة من الشرفة تظهر في العادة مكونات وصورًا متنوعة، فإن الكتاب بذاته شرفة عالية من شرفات أدبنا الحديث، نرى فيه أعلامًا بارزين، ومؤلفات مهمة، وقضايا وحوارات جدلية، تنتمي إلى ثقافة الأسئلة ولا تطمئن تمامًا إلى الاستراحة في نعيم الجواب.
وأضاف عبيدالله أننا، ومن جهة خفية، في صحبة هذا الكتاب، مع لمحات من سيرة المؤلف الثقافية، وقراءاته واستبصاراته ومكابداته فكريًّا وسياسيًّا وثقافيًّا، فكل حلقة من هذه الحلقات المتتابعة تكشف في خلفيتها عن صلة المؤلف بالمادة المعروضة، ومطالعتها بروح تتجدد بالقراءة والكتابة، وتجد ضالتها في الكتاب اللافت الجدير بالمساءلة والتأمل، ولعل في كل ذلك ما يغري القارئ المهتم ليفيد من هذه الحصيلة بالطريقة التي تلائمه وتلبي مطالبه.