بينما كانت تتصفح "الفيسبوك"، استوقفها إعلان يدمج صورتين ثابتتين باستخدام الذكاء الاصطناعي، ليبدو من فيهما وكأنهما يتحركان، يتعانقان، كأن الحياة دبت فيهما من جديد. لفتت انتباهها الفكرة وتأملتها، ترددت.. ثم قررت أن تخوض التجربة.
اختارت صورتين عزيزتين على قلبها، الأولى لابنتها، تقف بثوب التخرج، تبتسم بفخر بعد نيل شهادة البكالوريوس. أما الثانية، فكانت لزوجها الراحل منذ سبع سنوات، يبتسم بتلك النظرة الحنونة التي لا تزال تسكن قلبها.
مرت لحظات صمت، ثم ظهرت أمامها الصورة الجديدة، زوجها يعانق ابنته، يبارك لها، كأنه كان حاضرا بالفعل في تلك اللحظة التي طالما تمنت لو شاركهم فيها.
تحدق في الشاشة وعيناها تلمعان بالدموع، لا تعرف هل تفرح أم تحزن، هل تبتسم لهذه اللفتة الرقمية أم تبكي شوقا؟ هل هو عزاء من نوع آخر، أم هدية من الحنين في زمن الذكاء الاصطناعي؟
تتمتم الأم لنفسها "كأنه عاد للحظة.. فقط ليقول لها إنه فخور بها"، وأردفت بأسى "يا ليته كان حقيقي..".
هذا المشهد الذي قد يتكرر مع أشخاص حول العالم، في ظل وجود تطبيقات الذكاء الاصطناعي، يعيد طرح تساؤلات نفسية وأخلاقية: هل يمكن لتقنية رقمية أن تسد فراغ إنساني؟ وهل تساعد هذه التطبيقات على تخفيف آلام الفقد، أم تفتح أبوابا جديدة للحزن؟
في هذا السياق، تعلق الأستاذة المساعدة في علم النفس الإكلينيكي في جامعة عمان الأهلية، الدكتورة فداء أبو الخير: "إن تأثير هذه التطبيقات يعتمد على طبيعة الشخص الذي يستخدمها، ومدى تقبله، ومدة استخدامه لها".
وتكمل متسائلة "هل يلجأ لها الشخص للتفريغ الانفعالي والشعور بالراحة؟ أم يستخدمها كوسيلة للهروب من الواقع ليعيش في حالة من الخيال أو الوهم؟".
وترى أبو الخير أن تعميم أثر هذه التطبيقات أمر غير دقيق؛ نظرا لعدم وجود دراسات علمية كافية، إلى الآن، تقيس تأثيرها على المستخدمين بشكل منهجي. ورغم ذلك، لا تنكر أن "بعض الأشخاص قد يشعرون ببعض الراحة المؤقتة عند استخدام هذه التطبيقات، خصوصا من لم يتمكنوا من وداع أحبائهم ونظروا إليهم النظرة الأخيرة، أو لم يشاهدوا المتوفى في لحظاته الأخيرة".
وتوضح: "عند فقدان شخص، من المهم -نفسيا- رؤيته للمرة الأخيرة، لأن هذه اللحظة تساعد في تقبل الواقع وتقلل من الإنكار، إذ إن عدم رؤية الجثمان أو غياب الوداع يترك أثرا نفسيا قد يطول".
كما ترى أبو الخير أن استخدام هذه التطبيقات قد يخفف من الألم لدى البعض، لكنه في الوقت ذاته قد يعيد فتح الجروح، خاصة حين تخلق حالة من التعلق بشيء افتراضي لا يمكن الإمساك به أو الإحساس الحقيقي به وقد تزيد من حجم المشكلة.
وتحذر من الاستخدام المكثف لهذه التطبيقات؛ لأنه قد يؤثر سلبا على "اتصال الإنسان بواقعه، وقد تشكل وسيلة للهروب من العلاقات الحالية، فيعيش المستخدم في عالم متخيل، حتى وإن كان ظاهرا بالصوت والصورة، إلا أنه يظل غير واقعي".
وتكمل: "ما قد يؤثر على قدرته على الاندماج مجددا مع أسرته وعلاقاته وقيمه، والقيام بأدواره في الحياة والتواصل الاجتماعي مع الآخرين، بعد فقدان شخص عزيز".
وعن إمكانية استخدام هذه التقنية ضمن أدوات العلاج النفسي، تقول أبو الخير: "هناك تقنيات إلكترونية تستخدم في العلاجات النفسية، لكن الأهم هو كيف تستخدم ومع من، فليس كل حالة يناسبها هذا النوع من التطبيقات، ويجب أن يكون هناك مختص يقرر مدى ملاءمتها لكل فرد".
وفي إجابة عن سؤال حول مدى تأثير هذه التطبيقات على مراحل الحزن، توضح أن "بعض الأشخاص لا يستطيعون الانفكاك عن مشاعر الحزن والفقد، وتبقى متجسدة لفترة طويلة، وهذه التطبيقات قد تعزز تلك المشاعر وتبقي الفرد في حالة انغماس مستمر في الذكرى، دون فائدة حقيقية".
وتعلل أبو الخير السبب: "لأنها تكرر المشهد بشكل متخيل تحيي الذكرى السلبية والحزن؛ ما يعمق الفجوة بين الواقع والاحتياج النفسي الحقيقي، ويزيد من معاناة الفقد، لأن الشخص يحتاج إلى أن يكون الشخص موجود بشكل حقيقي ويلمسه وعندما يدرك أنه لم يعد على قيد الحياة يتآذى نفسيا".
وفي النهاية، بين من يجد فيها عزاء مؤقتا، ومن يتورط في وهم دائم، تبقى تطبيقات تحريك الصور سلاحا ذا حدين. وبينما تحمل قدرة على التخفيف اللحظي من ألم الفقد، قد تكون سببا في تأجيل التعافي، وتعميق الجرح، إذا لم يراعَ السياق النفسي للمستخدم وحاجته الحقيقية للمساندة.