على مقربة من قلعة الكرك النابضة بالتاريخ والعراقة، يُشرع متحف الحياة الشعبية التابع لبلدية الكرك الكبرى أبوابه ليفصح عن مخزون تراثي ثري، يروي لزائريه الموروث الكركي الذي يؤرخ لكافة جوانب الحياة الشعبية في محافظة الكرك التي كانت سائدة في أقدم الأزمان، ليظل حاضرا في أذهان الأجيال المتعاقبة يربط الماضي بالحاضر، ويرسخ أن التراث هوية الأمة الدالة على حضارتها.
رحلة تأسيس المتحف التي امتدت على مدى عشر سنوات وتم افتتاح مرحلته التطويرية الثانية مؤخرا، بعث الحياة مجددا في أحد المباني التراثية القديمة الواقعة بمحيط القلعة والذي كان مشغولا بسالف الأزمان، كدار عدلية وسجن في عهد الدولة العثمانية.
المعايطة: فصول من الموروث الزاخر
وقال رئيس البلدية المهندس محمد المعايطة لـ"الرأي» إنّ محافظة الكرك، وبالرغم من تنوع تراثها الشعبي وغناه، كانت تفتقر إلى متحف شعبي يوثق هذا التراث بجانبيه المادي والشفاهي، فجاء تأسيس المتحف ليحكي فصولا أخرى من تاريخ الكرك وموروثها المنطلق من أرضية زاخرة بالأصالة والإرث الثقافي والسياحي والإنساني.
وأشار إلى أن المبنى الذي يشغله المتحف حاليًّا يشكل أحد المباني التراثية لسرايا القلعة الذي شيد في العام 1893 واستخدم بعد تأسيس الإمارة مقرًّا للشرطة وتم استغلاله على مدى سنوات سابقة بأنشطة متعددة بعد أن أجرت له وزارة السياحة الصيانة اللازمة ليغلق بعدها حتى العام 2016 حين طلبت البلدية من الوزارة السماح لها بإدارة المبنى، فجاءت مبادرتها بإعادة ترميمه وإنشاء هذا المتحف بهدف الحفاظ على الموروث التراثي الشعبي وتوثيقه وصونه من الاندثار.
وقال إنّ البلدية تعمل ليكون المتحف بمستوى المتاحف المعروفة وقادرًا على استيعاب كل أشكال التراث في مجتمعنا، حيث توفر رحلة التجوال بين أروقته ومقتنياته تجربة ممتعة للزائرين والباحثين تساعدهم على الوصول إلى الجذور التراثية القديمة للأجداد والآباء وتعزيز الوعي الثقافي لدى الأجيال الجديدة، وتعريفهم بتاريخ الكرك العريق، وتعزيز دورها كمركز حضاري وثقافي وسياحي بارز على مستوى المملكة.
وأكد أنّ البلدية ملتزمة بمواصلة تنفيذ مشاريع تنموية وثقافية تعكس هوية مدينة الكرك وتاريخها العريق وتنشط الحركة السياحية والاقتصاديه بما يتماهى مع التوجيهات الملكية السامية لتطوير القطاع السياحي وإبراز الهوية الثقافية والتاريخية لمحافظة الكرك.
النوايسة: إطار تراثي سياحي
وقال رئيس جماعة منتدى درب الحضارات الثقافي، الباحث والأديب نايف النوايسة إنّ الحديث عن رسالة المتاحف يقترن بالبعد الثقافي السياحي لأي بلد، ذلك لأن ما تقدمه المتاحف من خدمات ينتهي إلى يقظة ثقافية سواء كانت أثرية أو شعبية أو سياسية أو طبيعية أو بحرية، فيما الحديث عن المتاحف الشعبية ينطلق من أهمية المواد التراثية التي يضمها، باعتبارها تعكس حياة الأجداد والمراحل التي شهدت تطورهم واتصالهم بالحياة المعاصرة.
وبين أن الخطوات الأولى لتأسيس متحف الحياة الشعبية في الكرك، الذي انتقل من مرحلة الحلم إلى التحقق قبل سنوات، وصولًا إلى التجديد والتطوير في هذه السنة، يدل على حرص بلدية الكرك ومن له علاقة بالمتحف، على أهمية هذا العمل ودوره الكبير في التعريف بتراثنا وترويج المعلومات عنه وتهيئته أمام الباحثين ليقرأوا المسيرة الحضارية الأردنية وتطورها من خلاله.
وتابع النوايسة، متحدثا باسم لجنة تأسيس المتحف الذي هو أحد أعضائها، عن الرحلة الطويلة التي قطعتها اللجنة قبل أكثر من عشر سنوات بإمكانات متواضعة، وقال إنّ الآمال كانت تملأ عيوننا والطموحات تسابق كلماتنا، فتشكلت نواة المتحف لتعانق شموخ القلعة وعنفوان أهل الكرك، وكبرت النواة وأضحت شجرة حضارية وارفة الظلال عميقة الجذور، فشب المتحف على الطوق وصار يمد أجنحته للغادي والرائح ليحمله إلى تراث خالد يمتد مئات السنين.
ولفت النوايسة إلى دلالات موقع المتحف الذي يتجانس مع العمق المعماري التاريخي ومحيط العمارات التراثية القديمة، مما يعطيه أبعادا ثقافية سياحية جاذبة وتحمل من دواعي الإدهاش ما يفتح الأبواب لمسيرة سياحية واثقة.
الشمايلة: نافذة على التراث والهوية
من جانبها قالت مدير عام المكتبة الوطنية بالوكالة، مساعدة أمين عام وزارة الثقافة للشؤون الثقافية والفنية، مديرة ثقافة محافظة الكرك عروبة الشمايلة، إننا نؤمن أن الثقافة ليست ترفاً، بل هي أساس البناء الحضاري، ومتاحفنا الشعبية هي الذاكرة التي علينا أن نصونها وننقلها للأجيال القادمة بكل فخر واعتزاز، مشيرة إلى أن متحف الحياة الشعبية بالكرك يُعد أحد أبرز المراكز الثقافية التي تجسّد التراث الأردني العريق وتوثّق تفاصيل الحياة اليومية للآباء والأجداد.
وأضافت أنّ المتحف لا يقتصر دوره على عرض المقتنيات والأدوات التراثية، بل يُمثّل مساحة تعليمية وتوعوية مهمّة تنقل للزائر نبض الحياة الأردنية في مراحلها المختلفة، وتُعزز الوعي بأهمية التراث المادي وغير المادي كجزء أصيل من هويتنا الوطنية.
وفي هذا الإطار، أكدت على أهمية تعزيز هذا التكامل بين المؤسسات، مشيرة إلى أن مديرية الثقافة ترتبط بعلاقات تشاركية فعالة مع كل من البلدية ووزارة السياحة، عبر تنفيذ برامج ثقافية وفنية تُسهم في تنشيط الحركة الثقافية والسياحية في المحافظة، وتعزز من حضور التراث في المشهد العام من خلال التنسيق المستمر والدعم المتبادل لتنفيذ فعاليات هادفة، وافتتاح معارض، وإحياء مناسبات وطنية وتراثية تُبرز خصوصية المكان وإنسانه.
وفي السياق ذاته، أشادت الشمايلة بالجهود التي تبذلها البلدية في دعم الحراك الثقافي، والتي تُوّجت أيضاً بإطلاق «الجاليري الفني» الخاص بها، كمساحة لعرض أعمال الفنانين المحليين وتسليط الضوء على الإبداع الفني بأشكاله المختلفة، والذي يعد خطوة نوعية في دعم الفنون البصرية، ويمثّل منصة للتعبير الحر والحوار الثقافي بين الأجيال.
وأشارت إلى أن وجود مثل هذه المتاحف والمعارض الفنية في قلب المجتمعات المحلية يُعزز من مفهوم المواطنة الثقافية، ويُكرّس العلاقة التشاركية بين الجهات الرسمية والمجتمع المحلي في صون الموروث الثقافي والتاريخي، كما يسهم في إثراء التجربة السياحية للزوار، من داخل الأردن وخارجه.
المحادين: حماية الموروث من الاندثار
بدوره، قال مدير المتحف علاء المحادين إن إنضاج فكرة تأسيس المتحف جاءت بجهود مشتركة ليكون متحفًا بقامة الكرك وإرثها الحضاري العريق ويحفظ هويتها وتراثها، وليشكل علامة فارقة في مجال جمع التراث وتوثيقه ونقطة جذب سياحي، إضافة لتعريف الأجيال القادمة بإرث الأجداد والآباء، خاصة ونحن في أزمان متسارعة وتطورات متلاحقة.
وأوضح أنّ المتحف الذي يفتح أبوابه لجميع أبناء محافظة الكرك والزائرين من داخل الأردن وخارجة بالمجان، أصبح بحلته الجديدة بعد أعمال التطوير التي أنجزت قبل نحو شهر بتمويل من موازنة مجلس المحافظة «اللامركزية» يمثل متحف حكاية، فالمتجول في أروقته يرى شيئا بديعا حيث يسجل المتحف بمشاهد شبه حيّة جوانب كثيرة من الحياة الشعبية القديمة في الكرك.
وبين مدير المتحف أنّ عملية التطوير تضمنت إدخال مجسمات شمعية متحركة على هيئة أشخاص يقومون بأداء حِرف قديمة تجسد نمط الحياة اليومية البدوية والقروية لأبناء المنطقة عبر العصور، ومنها التجارة والمتمثلة بـ» الدكانة القديمة »، صناعة «الجميد الكركي » والنسيج على النول وغزل الصوف وما يرتبط بها قديمًا في عمل » الفرش والأغطية »، إضافة إلى ركن الكُتَّاب، وبيت الشعر بكل تفاصيله، وعرض الأزياء الشعبية والحلي وأدوات الطبخ والفلاحة والأسلحة والمقتنيات والأدوات التراثية المنوعة، علاوة على ما وفره المتحف من إطلاله على استخدام المبنى قديما، كونه أشغل سابقا كدار عدلية، فتم تجسيد ذلك بعمل مجسمات للمحكمة العثمانية القديمة.