تعيش القارة الأوروبية مرحلة عصيبة من تاريخها مع تتابع الاختبارات أمام مبادئ أساسية في التعايش والتعاون أرستها الشعوب والدول الأوروبية بعد الثمن الباهظ الذي تحملته في الحرب العالمية الثانية، وفي هذا السياق من التخوف والإحباط أتى خطاب الملك أمام ممثلي الشعوب الأوروبية المسكونة بالقلق والتوتر منذ خمس سنوات شهدت تأرجحًا غير منتج بين اليمين واليسار في تعبير عن تعمق أزمة القيادة في العالم، وهي الأزمة التي بدأت مع اختلاط المفاهيم، حيث لم تعد الحدود واضحة بين المبادرة والصفقة، وبين التنافس والصراع، والجميع أعينهم شاخصة على مكتسبات قصيرة المدى مهما كانت كبيرة فهي لا يمكن أن تكون القارب الذي يوصلهم إلى بر الأمان لما تفتقده
من مسؤولية وقدرة على الاستدامة.
أتى الخطاب الملكي لينطلق من القيم والمبادئ، ليذكر الجميع بأدوارهم ومسؤولياتهم، وفي لغة يمكن أن الملك هو القائد العربي الوحيد الذي يمتلك مفاتيحها لتجربته الطويلة في مواجهة الإرهاب والتطرف وتفكيك مرجعيتهما القائمة على استغلال سوء الفهم وفوضى المفاهيم والتي تغذت طويلًا على حالة من انعدام العدالة والتأجيل والتسويف في تحقيقها، بحيث استهلكت أجيالًا من أبناء هذه المنطقة، وما زالت تهدد بأن تعصف بأجيال أخرى قادمة.
يتسق الخطاب الملكي الأخير مع جهود حثيثة بدأت مع انطلاق العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وأسهمت من خلال اللقاءات الثنائية مع القيادات الأوروبية في انقاذ القضية الفلسطينية من اختزالها في السابع من أكتوبر وتوابعه، وتجاهل الظروف والمسببات التي أوصلت المنطقة والفلسطينيين إلى هذه اللحظة الحرجة، والتحولات في المواقف الأوروبية أخذت تظهر تباعًا من خلال مواقف سياسية واضحة، ويأتي الخطاب أمام البرلمان الأوروبي ليكون نداءً عاجلًا تجاه اتخاذ الخطوات الضرورية من أجل وقف المأساة المتواصلة في قطاع غزة حيث يموت أهله وأطفاله، بالسلاح والجوع والظروف الجوية في العراء المكشوف المحاصرين فيه.
هذه الخطوة الأخلاقية الكبرى هي ما ينشده الملك في مواجهة قوى التطرف والإرهاب في المعسكر الآخر، ويحذر الملك من حالة الاعتياد التي يشهدها العالم لأنها يمكن أن تستعيد أشباح الماضي من حروب وصراعات بددت عشرات ملايين الأرواح وموارد هائلة كانت كفيلة بجعل العالم مكانًا أفضل، ويخشى الملك ويحذر في هذه المرحلة من العقول الضيقة والأنانية التي ترى الحرب مفتاحًا للأمن، ومهما يكن من أمر فالأردن قيادةً وشعبًا يثبتون أنهم خارج الحسابات الجاهزة لأن الفكر السياسي يقوم على مبادئ واضحة تتمسك بالدولة والمجتمع في عصر تتعرض فيه هذه المفاهيم للكثير من التشكيكات النظرية والتهديدات العملية.