هل نقدّم أبناءنا قرابين لصناعة التبغ؟

تاريخ النشر : الأربعاء 11:46 11-6-2025
No Image

ولعل الأخطر ما حصل مؤخرًا في إحدى الجامعات الأردنية، عندما دخلت شركتا تبغ إلى معرض وظيفي داخل الحرم، وقدّمتا نفسهما كفرصة عمل واعدة. جمعتا بيانات الطلبة الشخصية لتستطيع استخدامها فيما بعدحيث تستقطب هذه الشركات الطلبة كسفراء ترويج. فهؤلاء الشباب يُستخدمون لاحقًا كمروجين في الحفلات والمقاهي لتوزيع منتجات مجانية، وعرض «تجربة أولى» لمن لا يدخن، وتبديل عبوة مفتوحة بأخرى جديدة لمن يدخن.

في 31 أيار من كل عام، يتجه العالم للاحتفال باليوم العالمي للامتناع عن التدخين، في محاولة لتسليط الضوء على واحدة من أخطر الأوبئة الصامتة التي تنهش صحة المجتمعات. في الأردن، تتزاحم المقابلات واللقاءات الإعلامية، وتتصدر العناوين الصحفية أرقامًا مفزعة: أكثر من نصف السكان فوق سن الخامسة عشر مدخنون، التدخين يبدأ في سن مبكرة، والأطفال جزء من السوق المستهدفة. نستنكر لأيام وتعاود الحياة لتشغلنا بأمور أخرى ويدخل موضوع التدخين عالم النسيان من جديد للعام المقبل!

لكن في الواقع، أن الجميع يعمل من جهته في مكافحة هذه الظاهرة،وزارة الصحة أمانة عمان ومنظمات المجتمع المدني ومع ذلك، يبقى السؤال: لماذا لا نتقدم؟ لماذا لا تنكسر حلقة الإدمان المجتمعي؟

أتحدث هنا كأم قبل أن أكون ناشطة. أم ترى بعينيها، وتسمع بأذنيها، وتعيش يوميًا بين شباب وأطفال لم يعودوا محصّنين، لا من الإعلان، ولا من النكهات، ولا من الأكاذيب التي تُسوّق لهم بذكاء قاتل.

و جزء من الجواب يكمن في فهمنا الخاطئ لمفهوم «التدخين»، وكأنه يقتصر على السجائر التقليدية. بينما الواقع اليوم يُظهر مشهدًا أشد تعقيدًا: أرجيلة في الصالونات، «فيب» بنكهة شعر البنات، نيكوتين فموي يُباع سرًا، وتبغ مسخّن يروج له مؤثرون على مواقع التواصل الاجتماعي. قبول اجتماعي لتواجد هذه المنتجات بين أيدي أبنائنا فهو ليس تدخين إنما ترفيه!

وما يزيد الأمر سوءاً أن الأردن وقع على الاتفاقية الإطارية لمكافحة التبغ عام 2004 وصادق عليها عام 2005. وتنص المادة 5.3 منها على ضرورة حماية السياسات الصحية من تدخلات صناعة التبغ. ومع ذلك، نراها اليوم جالسة على طاولة صنع القرار، تُعامل كأي صناعة أخرى، رغم أن منتجاتها تُفقد الأرواح وتثقل كاهل النظام الصحي. ويعد تدخل صناعة التبغ من أكبر العوائق للتقدم في مكافحة التدخين بكافة أشكاله وأنواعه.

من المؤسف أن نشهد أكشاك بيع التبغ المسخّن والسجائر الالكترونية في قلب المولات، بين محلات بيع الحلويات ومناطق تواجد الأطفال. ومن المؤلم أن نرى أطفالًا ينجذبون لعبوات تشبه الحلوى، لمنتجات تبغية تُروّج بنكهات مثل علكة، بوظة ودونات، بينما لا تُعرض هذه المنتجات في بيئة تحذيرية موحدة، ولا تُغلف تغليفًا قاتمًا ينفر الأطفال الذين يدفعهم فضولهم إلى التساؤل عن هذه المنتجات الجاذبة!

ثم هناك قصة الطالب الذي بدأ التدخين في سن الثالثة عشرة، مرورًا بالسجائر الإلكترونية المهربة، وانتهاءً بتبغ مسخّن، فكانت النتيجة أن دُمرت رئتيه وهو في الثانية والعشرين. قصة تتكرر كل يوم، خلف أبواب المدارس والجامعات والمقاهي.أما هذا الشاب فقد التقيته وسمعت حكايته منه شخصياً، ولم أستطع إلا أن أرى فيه ابني، أو ابن أيٍّ منّا.

ولعل الأخطر ما حصل مؤخرًا في إحدى الجامعات الأردنية، عندما دخلت شركتا تبغ إلى معرض وظيفي داخل الحرم، وقدّمتا نفسهما كفرصة عمل واعدة. جمعتا بيانات الطلبة الشخصية لتستطيع استخدامها فيما بعدحيث تستقطب هذه الشركات الطلبة كسفراء ترويج. فهؤلاء الشباب يُستخدمون لاحقًا كمروجين في الحفلات والمقاهي لتوزيع منتجات مجانية، وعرض «تجربة أولى» لمن لا يدخن، وتبديل عبوة مفتوحة بأخرى جديدة لمن يدخن. إنها عملية تطبيع ممنهجة تُرتكب أمام أعيننا.

ورغم كل هذه القتامة، هناك بصيص أمل. حين يتصل شاب جامعي واع يبلغ عن وجود هذه الشركات داخل حرم جامعته، ويرى أنه لا يجوز أن تكون بين الطلبة، فهذه ثمرة توعية. حين تتحرك جمعية لمخاطبة الإدارة، فهذه قوة مدنية حقيقية! وتتحرك وزارة الصحة إلى الموقع فوراً، فهذا دليل على تكاثف حقيقي بين كافة فئات المجتمع لمواجهة هذه الآفة القاتلة!

لكن الوعي وحده لا يكفي.

علينا أن نتساءل، لم لا يزال هناك تدخين في المساحات المخصصة للأطفال واليافعين، من مدارس، وجامعات، واتحادات رياضية، من ملاعب وحدائق، سواء داخلية أو خارجية؟ فهم فئة مستهدفة وعلينا حمايتهم!

لم لا نزال بحاجة التحدث عن تطبيق منع التدخين في مستشفياتنا؟ فكيف نريد أن نسوق للأردن كواجهة للسياحة العلاجية ونحن لا نستطيع أن نضمن للمريض وأسرته رحلة علاجية خالية من التدخين؟

هل حقاً «لا سياحة بلا أراجيل»؟ أم أننا نصدق أن مطاعمنا الضبابية وأعقاب السجائر التي تملأ شوارعنا جاذبة للسياحة؟

نحتاج لتفعيل كافة القوانين المرتبطة بمكافحة التبغ بصرامة، وحظر كافة منكهات التبغ والنيكوتين، وفرض التغليف الموحد، وزيادة المساحة التحذيرية المصورة إلى 65% على الأقل على كافة المنتجات، ورفع السن القانوني لاستهلاك منتجات التبغ ل ٢١، نحتاج إلى فرض غرامات مرتفعة بحق المنشآت المخالفة،ومعاملة تهريب منتجات النيكوتين كتهريب المخدرات وإلى إغلاق كل منفذ تروج منه هذه الشركات لأبنائنا!

لماذا نحترم القانون عندما نكون في أوروبا أو الخليج، ونخرقه في بلادنا؟ هل نحن أقل استحقاقًا لحماية صحتنا؟ ألا يستحق شبابنا أن يُعاملوا كمواطنين لا كـ «أسواق مستهدفة"؟

أليس من المضحك المبكي أن بريطانيا، أكثر من روج للسجائر الالكترونية على أنها ٩٥٪ أقل ضرراً من التدخين، اليوم تمنع السجائر الالكترونية ذات الاستخدام الواحد لانتشارها بين الأطفال واليافعين؟ أليس هذا ما يحدث في الأردن؟ فلما لا يتم منعها؟

كأم عملتُ في مجال مكافحة التبغ لأكثر من خمسة عشر عامًا، يؤلمني أن أرى هذا السيناريو يتكرر جيلاً بعد جيل. يؤلمني أن أرى أبناءنا يحملون السيجارة على أنها شيء عادي، أو أن يؤمنوا بأن الوسائل المستحدثة للتدخين ليست تدخيناً!

لقد آن الأوان أن نختار: إما أن نحمي أبناءنا، أو نكون شهود زور على جيل يُقدَّم قربانًا لصناعة قاتلة!

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }