ما زلت على صلتي بـ الرأي كقارىء منذ العدد الأول لها،الى هذا اليوم الذي تحتفل به هذه الجريدة الوقورة بايقاد أربع وخمسين شمعة من أحرف التنوير والبيان، وهي ماضية دون توقف أو تردد أو اعوجاج، كأبرز انتاج اعلامي سياسي ثقافي ابداعي على الساحة الأردنية أولا والساحة العربية انيا ولقراء العربية في مختلف الأنحاء وعبر نشرها الالكتروني الذي لا ينام، وهي تمتاز بانها ما تزل منذ أكثر من نصف قرن من حياتها الجميلة، تصدر بانتظام صباح كل يوم باذن الله، بهمة القائمين عليها من ذوي الاعتزاز بالانتماء اليها. وتحرص على مخاطبة الرأي العام الأردني خاصة والعربي عامة، وتفسح له المجال الرحب ليعبر عما يجول بخاطره ويدور في ذهنه،وليدلي برأيه بالشأن العام،وتطرق بوابات الإصلاح وهي تفتح أمامه وينادى بها على مسامعه، وتلح عليه للانخراط بها، بمسار ديمقراطي دستوري واضح، يحترم التعددية ويفهم التنوع ويصون الدستور ويديم الحياة النيابية، وينشد تعزيز الانتماء الوطني، وفي العصر الذي هبت فيه رياح العولمة على كل أنحاء العالم، وحافظ فيه هذا الاردن الهاشمي الغالي على اتزانه وحيويته، وليبث في صفوفه روح احترام الدستور واداء دورالمواطن ودورالمسؤول على حد سواء، في دولة المؤسسات والقان?ن، التي يصونها ويتمسك بها كل أردني.
لقد اهتمت «الراي» بالإبداع في صفوف الشباب الأردني، في مختلف الأنحاء... المدينة والقرية والبادية، ولدى الذكور والاناث، والصغار والكبار،وأبرزت بذلك قدرات الإنسان وامكانيات المكان في اطار ما يتميز الاردنيون من عادات وتقاليد واعراف، قوامها مكارم الاخلاق، والقيم السائدة بين أعضاء الاسرة الاردنية الواحدة. وهذا ما راعته الرأي عيلى امتداد عمرها واتساع اعدادها،في ثنايا مشاعرالناس وآمالهم المشتركة،التي تجسدها روح المواطنة.
وتحرص الرأي على اهتمامات النخبة المفكرة المبدعه، ولكنها لا تعوم مع الموجة السائدة، ولا تدافع عن الممارسات الحكومية، بل همها الى شد أزر المواطن وهو يحاول زيادة الأمل والتفاؤل بين الناس، للنهوض بمشروع فكري يستشرف المستقبل هدفه النهوض. مثلما تحرص «الراي» أن تعكس وضع القدس ذات المنزلة في نفوس العرب، وذات الشأن في ثقافتهم ووجدانهم، فهي أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، والتى أسرى إليها رسول الله وخاتم نبييه وعرج منها إلى السموات العلى، وخصت بالعهدة العمرية، التي رسخت حقيقة التعايش بين العقائد والمعتقدات والأجناس، يجمع بينها القاسم الإنساني المشترك، وما كانت هبة البطل صلاح الدين لنجدتها،الا لتخليصها من الاضطهاد العنصري والاستبداد الديني. ولذلك ان الرأي قد عنيت بالقدس والقضية الفلسطينية ابداعيا،ادراكا منها من أن الثقافة لا تموت، وما زالت كل محاولات الوأد والطمس والإزهاق لا تحقق مآربها لا ماديا ولا معنويا.
أملا أن تواصل الرأي السعي في ثنايا صفحاتها أن تحقق للمجتمع بعض آماله،أوتخفف بعض آلامه، وتحاول ان تثيرتساؤلات لتوضح أين يقف المبدع العربي من قضايا بلده وأمته؟ ولذلك فان الرأي وهي تدخل عصر المعرفة والمئوية الثانية للمملكة، وبعد الخمسين من عمرها يتوقع منها تقوية دفعها للابداع بالتفكير الناقد واستشراف المستقبل.
انني أشعر بالغبطة وأنا أكتب هذه السطور القليلة في المناسبة الفريدة، وأنا ما أزال أتابع الرأي كل صباح،منذ فجر صدورها، وارجو ان تكون قد تجاوزت أزمتها المالية، وان تتمكن من العودة الى العناية المتخصصة ببعض القطاعات،كالأسرة والطفولة والثقافة والشباب وذوي الاحتياجات الخاصة والفءات المحرومة والمطالبة بما يشد من أزرها.
ولكنني من جهة أخرى او التنويه الى أن القراء عادة لا يلتفتون إلي الصحيفة اليومية للاطلاع على الأخبار العربية والعالمية التي تعنيهم، إنما إلى الفضائيات العربية والأجنبية المعربة،مثلما يتلقى الأخبار المحلية في التلفزيون الأردني والفضائيات المحلية، وهو لا يميل الى أن يقرأ لكاتب واحد كل يوم، وفي مقالاته الفكرة ذاتها التي تناولها في مقال او مقلات سابقة، وغالبا ما تؤيد وجهة النظر الرسمية، وتكيل المديح والمباركة لها، بما يعكس ما قصد به في نفوس الناس وأذهانهم. عدا عن أن الكتابة اليومية تبعدها عن الرصانة والتعمق، وت?ربها من تسطيح الأفكار، لا سيما انها تتجاوز أصول اللغة والنحو، وقد تستخدم تعابير عامية، ولا تراعى التنقيط المتبع في اللغة العربية..
إن إبلاغ الرسالة الوطنية الذي تنهض بها الرأي منذ السبعينات، يقتضي منها أن تشرع صفحاتها لكل الآراء، وأن تتوخى الموضوعية والحيادية في نشرها،، وتفسح المجال للتعددية في الآراء ووجهات النظر، وتعكس نبض المواطن ومشاعره،وتقلص بابداعاتها وتشويقها من حالة العزوف عن الاطلاع على الجريدة اليومية،مما شأنه تحقيق الرواج والانتشار.
تحية أكبار لـ «الراي» العزيزة الكبيرة، وتقديرا كبيرا لمحرريها وفنييها وادارييها، وكل عام وانتم بخير. والى الأمام،والى الأفضل باذن الله