أجمع خبراء وشباب أن «البطالة» لا تزال تشكل تحديًا كبيرًا، فهي تقف كعائق يعرقل التقدم ويحرم الشباب من تحقيق امالهم وطموحاتهم.
ويعد الهدف الاول من الحديث المستمر عن البطالة ليس التكرار فحسب، بل الاصرار والسعي لايجاد خطط وتدابير وسياسات واساليب تختلف عن الاجراءات السابقة والتي اتضح انها لا تجدي نفعًا.
وفي الوقت الذي تشير فية دائرة الاحصاءات العامة وفقا لاخر تقاريرها بانخفاض معدل البطالة في الأردن بنسبة 21.4% خلال عام 2024 وبمقدار 0.6 نقطة مئوية مقارنة ب 22.0% في عام 2023، الا ان النسبة لا تزال مرتفعة والتخوف من القادم واقع لا محال.
وفي هذا السياق يعلل الخبير الاقتصادي د. عدلي قندح، الأسباب التي تحد من تغيير واقع البطالة رغم الانخفاض النسبي في النسب الرسمية الى عدم تماثل الأرقام مع الواقع فانخفاض معدل البطالة المعلن غالبًا ما يكون انعكاسًا لتغييرات في منهجيات القياس أو انخفاض معدل المشاركة الاقتصادية وليس لخلق فرص عمل جديدة حقيقية، بالاضافة الى ضعف نوعية الوظائف المتوفرة فالكثير من الوظائف المتاحة مؤقتة، غير رسمية أو لا توفر دخلاً كافياً، ما يؤدي إلى «بطالة مقنعة».
ويتابع قندح بأن التباين بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل سبب ايضا فضعف التنسيق بين المؤسسات الأكاديمية وسوق العمل يؤدي إلى تخريج كفاءات لا تجد مكانًا مناسبًا.
وفي السياق ذاته يرى ان هناك اسباب هيكلية للبطالة تتمثل في نمط الاقتصاد الريعي وضعف التحول الإنتاجي وضعف الاستثمار المحلي والأجنبي في القطاعات المشغّلة للعمالة مثل الصناعة والزراعة، بالاضافة الى النمو السكاني المرتفع مقابل النمو الاقتصادي البطيء.
وبرأي قندح فان التفكير التقليدي في الدراسة والعمل سبب اخر في تفاقم المشكلة فالثقافة الوظيفة الحكومية ما زالت هي الغاية الأساسية لغالبية الشباب، لاعتبارات الأمان الوظيفي بالاضافة الى انعدام الحافز للريادة بسبب تعقيد الإجراءات وضعف الحاضنات وغياب تمويل رأس المال المغامر.
وبحسبه فأن البطالة هي بالفعل مشكلة هيكلية مزمنة، ولكن يمكن الحد منها وليس القضاء عليها كليًا، من خلال سياسات ديناميكية ومستمرة تعالج الأسباب الجذرية بدلًا من التعامل مع الأعراض فقط.
ثقافة التعلم مدى الحياة
ويقترح قندح للحد من البطالة تغيير التفكير، فيجب تعزيز ثقافة «التعلم مدى الحياة» والمهارات التقنية والرقمية و بناء عقلية ريادية ومبادِرة من المدرسة وحتى الجامعة، وإعادة هيكلة المناهج الدراسية لتكون تطبيقية ومتصلة بالواقع المهني، وإعادة هيكلة التعليم المهني والتقني ليواكب تطورات السوق وربط الحوافز الضريبية للمستثمرين بنسبة التوظيف المحلي والتحول إلى الاقتصاد الأخضر والرقمي وتهيئة بيئة تشريعية مرنة لجذب استثمارات في هذه المجالات، بالاضافة الى أهمية وجود برنامج وطني لتحفيز ريادة الأعمال بدعم مالي ولوجستي للشبا? وإدماج المرأة في سوق العمل من خلال دعم رعاية الأطفال وبيئات العمل المرنة.
ويختم: البطالة تمثل التحدي الأول الذي يجب على الأردن معالجته لتحفيز النمو الشامل، وذلك من خلال «تنويع الهيكل الإنتاجي والانتقال من الاقتصاد القائم على الخدمات إلى اقتصاد مولد لفرص العمل».
هذا ويؤكد الخبير الشبابي د. محمود السرحان ان البطالة مشكلة كبيرة تحتاج الى جهود مكثفة ومشتركة ووقت والتزام من كافة الجهات الرسمية والشعبية المعنية للتخفيف من حدتها بالقدر والامكانية المتاحة.
مشيرًا ان هذه المشكلة ليست وليدة الساعة بل هي قديمة جديدة مستمرة بين مد وجزر استنادًا لاسباب ذاتية وموضوعية متعدده ابرزها عدم الانسجام بين مخرجات التعليم والحاجات التنموية لسوق العمل محليًا وعربيًا ودوليا، فضلا عن اسباب تشريعية تتعلق بتطوير ومواكبة التشريعات للمتغيرات المتسارعة والتطورات المتلاحقة وارتفاع مستوى المعيشية وتزايد وتيرة الغلاء في ظل الحد الادني للاجور الذي لا يفي المتطلبات الاساسية للمعيشة.
ويكمل: لا بد مراجعة النظام التربوي بحيث يتم التركيز على الجانب التطبيقي للتعليم ومهارات الحياة الاساسية المطلوبة لسوق العمل محليًا وعربيًا وعالميًا اكثر من وقت مضى، فالتعليم النظري مهم ولكنه لا يكفي وحده في عالم شديد التعقيد وسريع التغيير يستدعي تكيفا سريعا مع مجمل هذه التغيرات، وتغيير الذهنية للشباب والفاعلية للتعلم والتدريب والتأهيل والتمكين عدة مرات.
وللتخفيف من وتيرة البطالة والسعي للحد منها بحسب السرحان، فإنه يجب استنفار كافة القوى الحية في مجتمعنا للسعي الجاد لتوفير حلول عملية وعلمية قابلة للتطبيق بالتعاون والتكامل وبناء الشراكات بين القطاعين العام والخاص وفتح افاق واسعة من التعاون العربي والدولي للبحث عن فرص عمل للشباب الباحث عن العمل، خاصة ان المشكلة ليست محلية او اقليمية فحسب بل اصبحت مشكلة عالمية تستدعي جهودًا عالمية مع القناعة التامة ان ليس ثمة وصفة سحرية لحلها، وانما التحلي بالمرونة والعقلانية والواقعية قد تسهم في التخفيف من حدتها في اوساط الش?اب الذي يعد الاستثمار فيهم استثمارا في المستقبل.
ويعتقد المحامي المتدرب عبادة الوردات انخفاض معدل البطالة وفقا لاي تقارير يمثل سيفًا ذا حدين؛ فهو يحوي مشاهد من التفاؤل من جهة، بينما تُظهر الجهة الأخرى بعض النقاط التي تستدعي الحذر، فلقد ساهمت عوامل متعددة في انخفاض معدلات البطالة؛ ففي مقارنة مع العام الماضي، نلاحظ نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.7٪، إلى جانب تدفق استثمارات أجنبية مباشرة بقيمة 673 مليون دينار، في حين بلغت الصادرات هذا العام 9 مليار دينار، وظل العجز في الميزان التجاري عند 10٪. تُبرز هذه المعطيات أن انخفاض معدلات البطالة يعود أساسًا إلى ت?افر فرص عمل جديدة بفضل تدفق الاستثمارات الأجنبية، إضافة إلى انتعاش قطاعات حيوية مثل السياحة والصناعات الغذائية، الذي جاء نتيجة لتوجيه الجهود نحو الاعتماد على الإنتاج المحلي ومقاطعة المنتجات الغربية.
ويتابع: كما اننا نلاحظ اهتمام الحكومة الكبير بدعم برامج التشغيل والتدريب؛ فقد ساهم ذلك في إطلاق مبادرات جديدة في مجال التدريب المهني، الأمر الذي لاقى اهتمام عدد كبير من طلاب المدارس.
ويرى الوردات أن هذا الانخفاض في معدلات البطالة، رغم كونه مؤشرًا إيجابيًا، لا يمثل حلًا جذريًا للمشكلة؛ إذ يعتمد التغلب عليها على تحقيق استقرار في نمو القطاعات الاقتصادية، وضرورة خلق فرص عمل جديدة تتناسب مع مهارات الشباب، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
التوافق مع الاحتياجات
في حين ترى المحامية حنين بركات ان البطالة تعد من مشاكل المجتمع الأساسية التي كان ولا يزال يعاني منها الشباب، والتي لا تتوقف على الاثار الاقتصادية والمعيشية فقط، بل تمتد الى آثارٍ فكرية وسياسية، ويعود ذلك برأيها، الى التخصصات الجامعيّة التي لا تتوافق مع احتياجات سوق العمل سواءً من حيث التركيز على دراسة التخصصات التقليدية أو من حيث أن التعليم الذي بات يركّزعلى التلقين والجانب النظري فحسب، مما انعكس أثره على سوق العمل والذي يشكل نقصًا في الخبرة لعدم توافق ما يُلقّن مع ما يُطلب مهنيًا، حيث باتت فرص العمل مقتصر? على أصحاب الواسطات أوالخبرات وهذا يشكل تعجيزًا بالنسبة لحديثي التخرج والذين يسعون لبناء أنفسهم وإثباتها في سوق العمل.
ولتخفيض مشكلة البطالة تقترح بركات تقديم دعم للشباب للعمل على مشاريع بسيطة وميسرة وتطوير البنية التحتية والخدمات في المناطق النائية لجذب المشاريع العربية والأجنبية مما يسهم في زيادة فرص العمل وتخفيض عبء الوظائف الحكومية، بالإضافة الى التعاون بين الجامعات والشركات لتحديث المناهج وتوفير التدريب العملي خصوصا في ظل عدم القدرة على تمييز التخصصات المشبعة من المرغوبة لكون سوق العمل يحظى بتقلّب كبير ولقلة الفرص فيه بشكلٍ غالب.