دكتوري قال لي.. في فضائل الطبقية
10:46 23-2-2025
آخر تعديل :
الأحد
<div>راجعت دكتوري اليوم، فمنذ أسبوعين أعاني من ألم حاد في إصبع القدم الأكبر، في قدمي اليسار. عدة مرات في اليوم أصاب بنوبة حادة ومفاجئة من الوجع، ويتورم الإصبع ويصبح أحمر اللون، كأنه مصبوغ بالمناكير!</div><div>لا أحب الذهاب للطبيب، أولا توفيرا في المصاريف، وثانيا لأنني أتامل أن ما أشعر به من وجه هو أمر مؤقت سوف يزول مع قليل من الصبر.</div><div>ولكن الصبر لم ينفع، وأمس أيقظني الألم الحارق في إصبعي منتصف الليل، ولهذا جئت للطبيب.</div><div>أعمل في وظيفتين، صباحا أنا مسؤول مستودع في السوبرماركت الكبير في حينا، ومساء أنا كاشير في مطعم المشاوي في وسط البلد. أحب اللحم، ولكن صاحب المطعم البخيل لا يقدمه لنا. كيلو المشاوي عشرون دينارا، ومثلي لا يطيق دفعها على وجبة واحدة.</div><div>دخلت إلى غرفة دكتوري، الذي بادرني بالسلام، وقلت لنفسي إنه لبق، بعض الأطباء الذين كنت أراجعهم كانوا لا يلقون السلام ولا يردونه، مع أن إفشاء السلام سنة ورده واجب.</div><div>لهذا ما زلت أراجع عند دكتوري رغم أنه رفع كشفيته قبل شهرين.</div><div>'أصبعي يحترق'.. قلت لدكتوري.</div><div>فحص الدكتور قدمي وأصابعي، وطلب لي بعض الفحوصات، مؤكدا أنه حتى قبل إجرائها فمن الواضح أنني أعاني من النقرس.</div><div>'داء الملوك؟!'.. سألت دكتوري.</div><div>أجاب نعم، كان يصيب الأغنياء والملوك لانهم كانوا يأكلون اللحم بكثرة، أما اليوم فقد 'تبهدل النقرس، وأصبح يصيب الجميع'.</div><div>شعرت بإهانة، فدكتوري يقلل من شأني، وأنا لا أقبل ذلك، وأجبته بسرعة ' ولذلك أيضا يصيب الأطباء..!!'.</div><div>صمت دكتوري، وأدرك عدم لباقة ما قاله فاستدرك: 'آسف يا أخي، لم أقصد شيئا'.</div><div>زوجتي قالت لي أمس أنها آسفة ولم تقصد شيئا أيضا عندما قطبت حاجبيّ، كانت ابنتي ذات الـ8 سنوات قد أقبلت تركض عندما عدت للبيت في 11 مساء، وكانت مستيقظة: 'بابا.. أريد ان تسجلني في دورة سباحة'!</div><div>لم أعرف من أين جاءت بهذه الفكرة، لتشرح زوجتي أن فتاة في صف ابنتي أخبرتها عن نادي السباحة الذي تتدرب فيه. ودهشت 'في مدرسة حكومية من يرتاد نادي سباحة!'، و ولكن زوجتي استدركت ان هذه الفتاة ابنة تاجر مليونير، وكان قد سجلها أبوها في الحكومة لشهر واحد ريثما حصّل لها قبولا في مدرسة دولية، وقد انتقلت اليوم بعدما غرست في ذهن ابنتي فكرة السباحة!</div><div>وقلت لنفسي هذا دليل على فضائل الطبقية، فاختلاط الطبقات الغنية والفقيرة يعرضنا نحن الفقراء لما لا نطيق، ولو كنت وزير التربية والتعليم لأصدرت قانونا يمنع الأثرياء من تسجيل أبنائهم في مدارس الحكومة، ولو ليوم واحد.</div><div>قلت بلبنتي 'حاضر يا حبيبتي.. سنسجلك'.</div><div>عندها نظرت زوجت في عيني، وفركت أصبعي السبابة والابهام وتمتمت 'من وين ندفع!!'. وعندها قطّبت جبيني وظهر عليّ الغضب، لتقول زوجتي 'آسفة لم أقصد شيئا'.</div><div>قبح الله اختلاط الطبقات! والآن النقرس يظنني غنيا وقرر أن يصيبني.</div><div>- 'وما العلاج يا دكتور؟'</div><div>- 'عليك عدم تناول اللحم، وخاصة الأحمر'</div><div>تذكرت كيلو المشاوي في المطعم وصاحبه البخيل، وعشرون دينارا ثمن الكيلو، وأوشكت أن أقول لدكتوري أن آخر مرة أكلت اللحم فيها كانت في عزومة منذ شهر، ولكن أنفتي منعتني.</div><div>- 'اكيد يا دكتور، اعترف أنني أفرط في تناول المشاوي.. هذه نقطة ضعفي'.</div><div>ضحك الدكتور، وضحكت. خرجت من العيادة، أمشي في طريقي إلى دوامي المسائي في مطعم المشاوي وإصبع قدمي يحرقني، والـ20 دينارا التي لا ادفعها لكيلو المشاوي واوفرها ليست كافية لتسجيل ابنتي في دورة السباحة.</div><div>وصلت إلى المطعم، وكانت رائحة الشواء في الشارع رغم أن الجو ماطر، نعم، لن آكل المشاوي، ولن أعود إلى البيت إلا بعد 1 فجرا، ستنظرني ابنتي ثم ستنام، ولكن الألم لحارق في إصبع قدمي لن نام.</div><div>قبّح الله اختلاط الطبقات، وبارك الله في الطبقية!</div>