-1-
فما أكثر الدّراسات التي كتبت عن سرديّات الطّيب صالح ولا سيّما «موسم الهجرة إلى الشّمال»، بيد أنّ النّقّاد والدّارسين لم يلتفتوا إلى مسألتين مهمّتين، الأولى: كان من الممكن، بقدر أكبر من المتابعة والبحث، التنبّه عليها وعدم تفويتها، والأُخرى صعبة المنال؛ لأنّها كانت ملك من يعرفها، وإن كُشف النّقاب عنها قبل سنوات.
-2- المسألة الأولى، تأثر الطّيب صالح بفكر الكاتب المناضل المارتينيكي فرانز فانون «Frants Fanon»، عن تحرير الشّعوب من أصناف الهيمنة، ومناهضة الاستعمار، والتّشويه النفسيّ وعلاقة المستعمَر (بفتح الميم) بالمستعمِر (بكسر الميم)، وإفادته الكبيرة منها. ولقد اكتشف هذا الأديب الأردنيّ الرّاحل مؤنس الرّزّاز، وصارح به الطّيب صالح، الذي قال: «فرانز فانون (منجمي الكبير) الذي أنهل منه، لكنّ أحدًا من النّقاد لم يُشر إلى ذلك"؛ ثمّ وجّه إلى مؤنس هذا السؤال: «هل انتبهت للملحق في آخر كتاب المعذّبون في الأرض؟»، قال: «ثمّة شهادات حيّة وواقعيّة لأشخاص من الجزائر إبّان الاستعمار الفرنسيّ، وردود أفعال النّاس التي يستطيع أيّ روائي الاستفادة منها» (هاملت عربي: مؤنس الرّزّاز. حوار هاشم غرايبة، ص23، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر، بيروت 2003).
عنوان «المعذّبون في الأرض» بالفرنسيّة: «Les Damnés de La Terre»، وبالإنجليزيّة «The Wretched of the Earth». يقال إنّ فانون كان قد أملاه على زوجه أواخر أيّامه.
ترجمه عن الفرنسيّة إلى العربيّة بعنوان «معذّبو الأرض» الدكتور سامي الدّروبي، والدّكتور جمال الأتاسي. طبع خمس طبعات بدار الطّليعة، بيروت (1963 و 1966 و 1979 و 1981 و 1984)، وطبع عام 2004 أيضًا (دار الفارابي–بيروت، ومنشورات آنيب ANEP–الجزائر).
كتب مقدمته بالفرنسيّة جان بول سارتر، الذي أهاب بالأوربيّين أن يقرأوه، على الرُّغم من أنّه غير موجّه إليهم، وقال عنه: «يفضح البرجوازيّة الوطنيّة، التي لم تشارك في ثورة الشّعب مشاركة صادقة، ولا أهابت بالجماهير يومًا إلى النّضال المسلّح والكفاح العنيف.. إنّ فانون يبيّن لنا كيف تحاول هذه البرجوازيّة الوطنيّة أن تسرق ثورة الشّعب في لحظة النّصر وتنسبها إليها، وأن تتسلّم مقاليد السُّلطة من يد المستعمر لتحلّ محلّه، لتنوب عنه في استغلال الشّعب واستثماره واضطهاده...» (مقدمة التّرجمة، ص 5 – 6. ط5: 1984).
وصف إدوارد سعيد في «الثّقافة والإمبرياليّة» الكتاب بأنّه: «هجين"؛ لأنّه يجمع بين المقالة والقصّة المتخيّلة والتّحليل الفلسفي وتاريخ الحالات النّفسيّ والحكاية الترميزيّة القوميّة والتّسامي الرؤيويّ للتّاريخ.
ولد «فانون» في فور دوفرانس، جزر المارتينك في 20 يوليو (تموز) 1925م. خدم في خلال الحرب العالميّة الثّانية في جيش «فرنسا الحرّة»، وحارب ضدّ النّازيّين، ثم التحق بالمدرسة الطبيّة في «ليون»، وتخصّص في الطّبّ النّفسيّ.
عمل طبيبًا عسكريًّا بالجزائر في حقبة الاستعمار الفرنسيّ لها، ثمّ رئيسًا لقسم الطّبّ النّفسيّ في مستشفى بُليدة – جوانفيل بالجزائر، وانضمّ، مذ ذاك، إلى المطالبين باستقلالها عن فرنسا.
التحق عام 1955 طبيبًا بجبهة التّحرير الوطني الجزائريّة (National: FLN Front de Liberation)، وغادر سرًّا إلى تونس حيث عمل طبيبًا بمستشفى «منوبة»، ومحرّرًا في صحيفة «المجاهد» النّاطقة باسم الجبهة، ناهيك بتوليه مهمّات تنظيميّة ودبلوماسيّة وعسكريّة. وصار عام 1960 سفيرًا للحكومة الجزائريّة المؤقّتة في «غانا».
توفي في 6 ديسمبر (كانون الأوّل) 1961 بالسّرطان، ودفن في مقبرة مقاتلي الحريّة الجزائريين. كان متزوّجًا بامرأة فرنسيّة «Josie»، أنجب منها ولدًا (Olivier)، وبنتًا (Mireille).
سمّت الجزائر، تقديرًا له ولنضاله من أجل تحريرها، شارعًا باسمه، هو الذي تقع فيه المكتبة الوطنيّة، التي تعدّ أقدم مكتبة وطنيّة في الوطن العربيّ والعالم الإسلاميّ.
من آثاره الأخرى:
(1) لأجل الثّورة الإفريقيّة «Pour La révlution africaine». ترجمته إلى العربيّة ماري طوق وديالا طوق. (دار الفارابي–بيروت، ومنشورات آنيب ANEP–الجزائر 2007).
(2) بشرة سوداء وأقنعة بيضاء «Black Skin, White Masks» (لوسوي، 1952).. لمّا يترجم إلى العربيّة.
(3) العام الخامس للثّورة الجزائريّة «L, An Cinq de La Révdution» (بالفرنسيّة، منشورات ماسبيرو، 1959 Maspero). و «Year Five of the Algerian Revolution» بالإنجليزيّة.
(4) التّجربة المعيشة لزنجيّ (مقال). مجلة (Esprit / 1951م).
(5) ثلاثة أعمال مسرحيّة: «العين الغريقة»، و «الأيدي المتوازية»، و «المؤامرة».
كتبت عنه عدّة مؤلفات، أبرزها بالإنجليزيّة:
"فرانز فانون: سيرة حياة: «Frants Fanon: A Biography»، لدافيد ماسي «David Macey» (لإديكوفيرت–باريس 2011). وبالعربيّة: «فرانز فانون والثّورة الجزائريّة» لمحمّد الميلي (الشّركة الوطنيّة – الجزائر 1973). (راجع: الموسوعة الحرّة ويكيبيديا «Wikipedia Free enyclopedia")، ورضوى عاشور: الصّوت: فرانز فانون، إقبال أحمد، إدوارد سعيد. مجلة «ألف» الجامعة الأمريكيّة – القاهرة. العدد 25 / 2005، ص74 – 87).
يعدّ «فانون» من أبرز من كتبوا عن مناهضة الاستعمار في القرن العشرين. كان يؤمن بأنّ مقاومته لا تكون إلّا بالقوّة، وقد ألهمت مواقفه وأفكاره كثيرًا من حركات التّحرّر في العالم.
المهم أن إقبال أحمد الباكستاني (1933 أو 1934 – 1999م)، الذي قطع دراسته في جامعة پرنستون بأمريكا ليلتحق بجبهة التّحرير الجزائريّة (1960 – 1963)، عمل مع فانون، وكان عضوًا في مفاوضات الاستقلال في «إيڤان»، وأصبح، من بعدُ، صديقًا لإدوارد سعيد الذي أهدى إليه كتابه «الثّقافة والإمبرياليّة» (1993)، الذي ترجمه كمال أبو ديب إلى العربيّة.
هنا، لا بدّ، من أن يُشار إلى ما بين فانون وإدوارد سعيد – كما رصدته رضوى عاشور. تقول: «إنْ أردنا تناول العلاقة بين إدوارد سعيد وفرانز فانون، فلا بدّ أن نفصّل ذلك، مرورًا بإقبال أحمد، لا لأنّني أُرجح أن (إقبال) هو الذي نبّه (سعيد) لقيمة فانون فحسب، ولا لأنّ (إقبال) كان بالنسبة لسعيد مصدرًا أساسيًّا من مصادر خبرته بالعالم الثّالث، وسِجلَّ حركاته الكفاحيّة، لا يبخل عليه بنصح أو مشورة، ويكاد يشكّل له بوصلة سياسيّة من نوع ما، ولكن لأنّ هذا الباكستاني النّحيل الذي اشترك مع فانون في ثورة الجزائر وصادق (سعيد) كان يشكّل حلقة وصل تتيح استمراريّة نموذج للمثقّف النّاقد المرتبط بقضايا التّحرّر عمومًا والوطنيّ تحديدًا.
إنّ حضور فانون في فكر سعيد يظلّ هامشيًّا، إن اقتصرنا على تتبّع ما ورد عنه في كتابات سعيد مُغْفِلين الدّلالة الأهمّ للاقتراب التّدريجيّ والمتزايد من مشروع فانون (قراءة سعيد لهذا المشروع وتطلّعه لمواصلته)، وهو اقتراب أتى متزامنًا مع اضطلاع سعيد بشكل متصاعد بدور سياسيّ.
والواقع أنّ كتابات سعيد المبكّرة تخلو من فانون، ورغم إشارة عابرة له في كتابه (بدايات 1975)، وأخرى في مقابلة أُجريت عام 1976 في أعقاب نشر كتاب (بدايات)، فإنّ فانون بقي غائبًا في (الاستشراق) و (مسألة فلسطين) و (تغطية الإسلام). وبداية من مطلع الثّمانينيّات تتعدّد الإشارة لفانون وتحديدًا لكتابه (المعذّبون في الأرض)، إلى أن يصبح المارتينيكيّ المجاهد مرجعًا من مراجع سعيد، حاضرًا دائمًا في الخلفيّة كنموذج من النماذج الأبرز لمثقف العالم الثّالث، المرتبط بدور كفاحيّ (ص 74–75 و 79 أيضًا).
غير أنّ أدب فرانز فانون ظلّ، في فرنسا تحديدًا، الأدب الفرنكوني الذي لا يحظى بالحبّ دائمًا، وكاد الناس ينسونه لولا اهتمام بعض دور النّشر بإعادة نشر أعماله الكاملة. فأمّا مؤسّسة «فرانز فانون»، التي ولدت عام 2007، وترأستها ابنته «ميراي مانديس فرانس»، فتسعى إلى إحياء ذكراه، وتحاول بكلّ عزم ألّا تطوي الأقنعة البيضاء تاريخ الرّجل الأسود المناضل (مدني قصري، فرانز فانون: مثقف ملتزم وأديب وطبيب نفسي ذائع الصّيت. صحيفة «الغد» الأردنيّة، السبت 10 كانون الأوّل / ديسمبر 2011، ص7).
ولم تنس الجزائر «فانون»، إذ نظّمت الوكالة الجزائريّة للإشعاع الثّقافي فيها ملتقىً دوليًّا (3–4 ديسمبر / كانون الأوّل 2011) بمناسبة الذّكرى الخمسين لوفاته؛ تذكيرًا له وبفكره، واعترافًا بمواقفه ونضاله وجهاده في سبيلها؛ كي يظلّ حاضرًا في حوارات هذه الأيّام، أيّام ما بعد الاستعمار، الذي جعل يطلّ بوجوه جديدة!
وتردّد صدى ملتقى الجزائر في «أخبار الأدب» المصريّة، التي أفردت ملفًّا خاصًّا عن «فانون»، نشرت فيه مقالاتٍ عنه، وفصولًا من مذكّراته، ومقاطع من تقديم سارتر لكتابه: «معذبو الأرض»، ومقال «عنف فانون»، الذي ترجمه ثائر ديب من كتاب «تأملات حول المنفى» لإدوارد سعيد (العدد 960–18 كانون الأوّل / ديسمبر 2011).
-3- فأمّا المسألة الأخرى، فعن شخصيّة «مصطفى سعيد»، التي ذهب النقّاد والدّارسون فيها مذاهب شتّى لا داعي لذكرها والتّذكير بها، فقد ذكرتها جميعًا فاطمة القرعان في كتابها «تلقّي موسم الهجرة إلى الشّمال نقديًّا» (منشورات أمانة عمّان، 2006، ص 119 – 136).
الجديد عن هذه الشّخصيّة ما أعلنت عنه شاهدة على زمن الرّواية، هي «جريزلدا الطّيب»، الفنّانة البريطانيّة والباحثة في الأدب الأفريقيّ وزوج الأكاديميّ والنّاقد والشّاعر السّودانيّ الرّاحل الدّكتور عبد الله الطّيب المجذوب، المعروف بكتابه الشّهير «المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها» بأجزائه الخمسة، الذي قدّم له طه حسين، ونال به جائزة الملك فيصل العالميّة في الآداب. وقد كنت عضوًا في لجنة التّحكيم.
إنّها ترى، بدْءًا أنّ: «جيل اليوم يعرف الطّيب صالح من خلال كتاباته الروائيّة والمقالات. ومعلوماتهم عن حياته تعتمد على مقولات وفرضيّات، معظمها غير صحيح، تحيط بفلك هذا الكاتب المشهور وروايته ذائعة الصّيت (موسم الهجرة إلى الشّمال)»، ثمّ تقول: «فأنا أنتمي إلى جيل قديم انطفأ عنه البريق، ولكنّه عرف الطّيب صالح شخصيًّا في شبابه، وكذلك عرفت الأشخاص والأحداث التي شكّلت، على الأرجح، خلفيّة لموسم الهجرة إلى الشّمال؛ لأنّها كانت رابضة في وعي المؤلف».
وترى أنّ مصطفى سعيد «ليس هو الطّيب صالح، ولا يستعير جانبًا مهمًّا من سيرته»، ولا يمكن أن يكون سيرة ذاتيّة للكاتب. لماذا؟ لأنّ الطّيب صالح ذهب إلى إنجلترا عام 1952 ليعمل في القسم العربي في الإذاعة البريطانيّة «B.B.C»، وظلّ فيها خمسة عشر عامًا، دون أن يدرس في أيّة جامعة، في حين أنّ مصطفى سعيد يُفترض أنّه ذهب إليها في منتصف العشرينيات، وحقّق نجاحًا باهرًا، ولم يذهب، في هذه الحقبة، أيّ سودانيّ آخر إليها، لكن ذهب في الثّلاثينيّات الدرديري إسماعيل ويعقوب عثمان لدراسة القانون.
يتمحوّر مصطفى سعيد في الرّواية، كما ترى، في الأكاديميّ السّوداني في لندن، و «دون جوان لندن»، والعائد إلى وطنه. إنّه «بطل متخيّل على عدّة مستويات في ذهن المؤلف.. قد صُنع من مزج عدّة شخصيّات»، التقاهم الكاتب أو سمع بهم حين ذهب أوّل مرّة إلى لندن.
وترجّح أنّ مصطفى سعيد الأكاديميّ هو جمّاع ثلاثة سودانيين، أُرسلوا عام 1954 للدّراسة في بريطانيا، ممن يمثّلون شخصيّات بطوليّة في الوعي الوطنيّ الباكر للسّودانيين:
أحدهم، الدّكتور سعد الدّين فوزي أوّل سوداني يتخصّص في الاقتصاد في جامعة أُكسفورد، وينال الدكتوراه عام 1953. وقد تزوّج بهولنديّة محترمة مخلصة لا تشبه فتيات الرّواية، وعاد إلى السّودان حيث شغل منصبًا أكاديميًّا رفيعًا حتّى وفاته بالسّرطان عام 1959.
والثّاني، زوجها عبد الله الطّيب، الذي حصل على الدكتوراه، في اللّغة العربيّة من جامعة لندن، وعُيّن محاضرًا بكليّة الدّراسات الأفريقيّة والشرقيّة (SOAS) فيها بعد زواجه منها بعامين، وهي أيضًا، لا تشبه فتيات الرّواية.
والأخير، الدّكتور أحمد الطّيب، الذي ذهب إلى لندن مرّتين الأولى قصيرة (1945–1946)، والأخرى دراسيّة (1951–1954)، حصل فيها على الدكتوراه في الأدب العربيّ. تزوّج أوّلًا من بريطانيّة، لكنّ زواجه مُني بالفشل، ثمّ بسودانيّة تشبه «حَسْنة» إلى حدّ ما، بيد أنّ الزّواج فشل أيضًا. وانتهت حياته في السّودان فجأة بنحو غامضٍ ومأساويّ!
ترجّح الشّاهدة أنّ الطّيب صالح أفاد من جزء من حياة هذا الأخير في محور «الدون جوان» عند مصطفى سعيد؛ لأنّه كان «جذّابًا وشخصيّة معقّدة ومفكرًّا رومانسيًّا... شغله الصّراع النّفسيّ بين حياته الحاضرة وإرثه القديم. كما كان مجروح العواطف ومهشّمًا بالطّموح السّياسيّ ومنافسات الوظيفة لجيله... كان معجبًا جدًّا بــِ (د.ه. لورنس)، وفكرة (الحبّ الحرّ). ومن المحتمل أنّه عند ذهابه إلى إنجلترا كان يضع في ذهنه ونصب عينيه إمكانيّة إقامة علاقات رومانسيّة مع الفتيات الإنجليزيّات».
وتزيد في الرّبط بين مصطفى سعيد وأحمد الطّيب، بأنّ هذا كان على صلة وثيقة جدًّا بصحافيّ لامع شابّ هو بشير محمد سعيد، الذي أتى من منطقة تشبه بيئة الرّاوي في «الموسم».
لم تكتفِ «جريزلدا» بهذا، إنّما سجّلت بعض مآخذه، مشفوعة بتوضيحات كاشفة وذات دلالات.
فمن المآخذ، قضيّة الانتقام الجنسيّ غير المسوّغ من الإمبرياليّة / الإنجليز لوطنه؛ لأنّ «الإمبرياليّة المذكورة في الرّواية ليست بهذا السّوء. فإذا كان البريطانيون قد احتّلوا السّودان، وإذا ما كانت لديهم مغامرات في أجزاء من هذا البلد، فذلك لأنّ التّركيب الاجتماعيّ في تلك المناطق يسمح بإقامة مثل هذه العلاقات، بل وحتّى يشجّعها. ولكن الاستعماريين البريطانيين لم يؤذوا النّساء في شمال السّودان الإسلامي».
ومن التّوضيحات أنّه لم تكن في بريطانيا قضيّة جنائيّة لسودانيّ قتل سيّدة بريطانيّة أو عشيقة، بل كان ثمّة قصّة عاطفيّة بين الطّالبة «ناوومي بيدو» في جامعة كمبريج وزميلها السّوداني «عبد الرّحمن آدم»، اللّذين كانا يخطّطان لزواج رفضه والد الشّاب حين زار إنجلترا فجأة، ممّا حدا بالطّالب إلى الانتحار بالغاز، ولحقت به الفتاة بالطّريقة نفسها بعد أيّام. ولقد ألقى والدها البروفسور «دان بيدو» كلمة حزينة في التّحقيق، تشبه في عاطفيّتها الخطاب الذي ألقاه في المحكمة والد الفتاة التي قتلها مصطفى سعيد في الرّواية.
فأمّا عودة مصطفى سعيد إلى السّودان مواطنًا غير سعيد، وعدم الرّضا والتوافق مع المجتمع الأصل فتذهب إلى أنّه تناولها عدد من الكتّاب الأفارقة من قبل في روايات ذكرتها في مقالها.
أمّا القريّة في الرّواية فشبيهة بقرية الطّيب صالح بمنطقة الشّماليّة، التي زارتها بنفسها، «وهنا نجد السّيرة الذاتيّة بالتأكيد قد دخلت في نسيج الرّواية، وتلاقي الأجيال هو حقيقيّ في القرى، إلّا أن التّعليقات التي قالتها المرأة العجوز في مجتمع محافظ كمجتمعات القرى يجعل المرء يتساءل: من أين أتى الطّيب صالح بهذه المرأة؟ وقصّة حسنة وزواجها الثّاني منافٍ للواقع؛ حيث إنّ التقاليد القرويّة تمنح الأرامل الحريّة في اختيار الزّوج على عكس العذراوات».
وأمّا الغرفة الخاصّة بمصطفى سعيد فتشبه، عندها، غرفة كانت في حيّ العرب بأُمّ درمان لمحمّد صالح الشّنقيطي، الذي كان من الشّخصيّات السّودانيّة اللّاحقة والنّخب الثّقافيّة، وأوّل قاضٍ وبرلمانيٍّ ضليع يدرس في بيروت. وقد ذكره وعرّف به الكاتب السّوريّ إدوارد عطيّة في روايته «Black Vanguard»، التي صدرت في الأربعينيات، حين كان يعمل مع مخابرات الجيش الإنجليزي بالسّودان.
كانت غرفة الشّنقيطيّ تبدو عاديّة من الخارج، غير أنّها كانت مؤثّثة ومفروشة بالسّجاد الفارسيّ الثّمين والتُّحف الرومانيّة؛ والكتب فيها تصل إلى السّقف. وهي تشبه غرفة مصطفى سعيد في الرّواية. بهذا كلّه كشفت الشّاهدة «جريزلدا» الطّيب عن شخصيّة مصطفى سعيد المعقدّة، وبعض ما يتّصل بها، استنادًا إلى حقبة كاملة كانت شاهدة على أحداثها، ووثائق قرأتها (جريزلدا الطّيب: من هو مصطفى سعيد بطل موسم الهجرة إلى الشّمال؟ المنتدى الثّقافي. جريدة الشّرق الأوسط، العدد 10361، الأربعاء 11/4/2007).