جرش: عراقة التاريخ وشموخ الحضارات

تاريخ النشر : السبت 12:00 21-12-2024

في مدينة تنبض بتاريخها العريق، تتجلى جرش كلوحة فنية ساحرة، رسمت بألوان الحضارة الرومانية ونسجت بخيوط الزمن. شوارعها المرصوفة بالحصى، وأعمدتها الشامخة، ومعابدها التي تتحدث بلغة التاريخ، تجسد روح المكان الذي شهد صراعات وأفراحا ولحظات من المجد والازدهار.

تمثل جرش رمزًا حيًا للتراث الثقافي الأردني، حيث تعكس جماليات التاريخ الذي يختبئ في كل زاوية من زواياها. في كل حجر، وفي كل نقش، تكمن قصة تنتظر من يرويها، وقيم تتجاوز الزمن لتصل إلى قلوب الأجيال الجديدة. نستحضر عبق الماضي الذي يبقى حيًا في ذاكرة كل من يزور هذه المدينة الساحرة. من خلال هذا المقال، سأستعرض معالمها الرائعة، وأسلط الضوء على تاريخها العريق، وأدعوك لتكون جزءًا من هذه الرحلة الساحرة التي تأخذنا إلى عصور مضت، وتعيد لنا الأمل في مستقبل مشرق.

تأمل في سخاء الطبيعة وعبقريتها، وهضابها المكسوة بالغابات، وأبنيتها القديمة، وسوقها العتيق، وكيف تلتقي فيه فنون العمارة العربية والتركية والشركسية والشامية في تدفق حضاري غير مسبوق. أمام هذا الإبداع، استبح لنفسي الغرق في بحور الأزمنة السحيقة، من العصور الحجرية إلى كتابة التاريخ البشري الذي سجل أمجاد هذه المدنية العريقة.

الشواهد الأثرية في جرش قادرة على سلب العقول بعبقريتها وإبداعها، بدءًا من قوس النصر على المدخل الجنوبي للمدينة، الذي أُقيم في عام 129م احتفاءً بزيارة الإمبراطور الروماني لها. أعمدتها الكثيرة التي تزين أرجائها جعلتها مدينة الألف عمود، بالإضافة إلى طواحين المياه والمساجد الأموية والعباسية والمقامات الدينية مثل أراضي النبي هود عليه السلام.

تخيل أن تعود بالزمن إلى 7500 سنة ق.م، وكيف كانت جرش من أهم مواقع الاستيطان البشري في العصر الحجري، الذي شهد تحول الإنسان من مرحلة الصيد إلى الزراعة وتدجين الحيوانات. تطورت المدينة في العصر البرونزي المبكر (3300 ق.م)، حيث انتقل الإنسان بحضارته إلى عصر «دويلات المدن»، ثم عصر الدويلات الإقليمية في العصر الحديدي ومملكة العمونيين. تاريخ المدينة يتضمن الغزو البابلي (586 ق.م) والغزو الفارسي (540 ق.م)، وأثرهما الذي لا يزال باقياً حتى يومنا هذا، مثل رياضة البولو التي كان يمارسها قادة جيش الفرس في ملعب سباق الخيل.

التعاقب الحضاري لسكان جرش جعلها توثق حياة الإنسان وعبقرية المكان عبر الأزمنة المختلفة، حيث صنعت الحضارات وثقافات متنوعة وتفاعلت مع شعوب العالم بعبقرية نادرة. أشعر وأنا أتجول في شوارع جرش وكأنني أعيش في كل هذه الأزمنة والحضارات، وكيف أفاض الخالق العظيم عليها بموقع جغرافي استراتيجي جعلها مركزًا لالتقاء التجار والحرفيين، حيث كانت جزءًا من «الديكابوليس»، وهو اتحاد للمدن العشر في المنطقة.

أكاد أن أنسى موبايلي وكتابتي ومواعيدي حين أنغمس في مشاهدة معابدها. أحجار المعابد والمواقع الأثرية تقف شاهدة على عظمة هذه المدينة، التي يعود تأسيسها إلى عهد الإسكندر الكبير في القرن الرابع ق.م، حيث عُرفت آنذاك باسم «جراسا»، في تحريف لاسمها السامي أو الكنعاني «جرشو»، والذي يعني مكان كثيف الأشجار.

ورغم ما عانته المدينة من كوارث صعبة، إلا أنها حافظت على تراثها وانفتاحها الثقافي، بل شهدت عصرها الذهبي تحت حكم الرومان، الذين أدخلوا إليها الديانة المسيحية عام 350 ميلادي، مما أدى إلى ازدهار الأديرة التي دمر معظمها على أيدي الغزاة والكوارث الطبيعية المتلاحقة.

تتقاطع هذه الحضارات مع منجزات عصرية أضافت لها مزيدًا من الجمال والإبداع، مثل التنزه والاستجمام في أحضان الطبيعة الخلابة والسياحة التراثية والدينية والعلاجية، بجانب المحميات الطبيعية مثل محمية دبين، التي أنشئت لحماية غابات الصنوبر الحلبي في الأردن، ومحمية الغزلان، ومحمية حديقة الأمير حمزة، التي حافظت على نبات الزعفران ووطنت بعض الحيوانات البرية وطيور الحجل البلدي.

تجمع جرش بين كل الحضارات والثقافات قديمًا وحديثًا، فهي اليوم تزخر بثلاث جامعات: جامعة فيلادلفيا، جامعة جرش الأهلية، وجامعة عمان العربية. كما يُعد مهرجان جرش السنوي، الذي انطلق عام 1981، شاهدًا على عبقريتها التاريخية والحضارية والثقافية، حيث أصبح مهرجانًا عالميًا وجسرًا للتواصل الثقافي والفكري والفني والأدبي بين شعوب العالم.

في أحضان جرش وشواهدها الأثرية، تُقدّم العروض الفولكلورية الراقصة، والباليه، والأوبرا، والأمسيات الموسيقية والشعرية والمسرحية والغنائية من مختلف الدول. يتقاسم الأردنيون مع ضيوفهم العرب والأجانب خلال مهرجان جرش نشوة التقاء الحضارات على أرض جرش، مدينة الثقافة والطبيعة والتاريخ العتيد.

تُعرف مدينة جرش بكونها موطنًا لأحد أفضل المسارح الرومانية المحفوظة في العالم. لكن ما قد لا يعرفه الكثيرون هو أن هناك ممرًا تحت الأرض يربط بين المسرح الجنوبي والمسرح الشمالي في جرش! كان هذا الممر يُستخدم من قبل الممثلين والفنانين الرومانيين للتنقل بسرية تامة بين المواقع المختلفة للعروض، مما يمنحهم قدرة سريعة على الانتقال دون أن يلحظهم الجمهور. هذا الممر السري يعكس براعة التصميم المعماري الروماني وكيف كانوا يديرون العروض الفنية بشكل فعال.

تحكي الأساطير المحلية عن حب بين اثنين من النبلاء الرومانيين، ماركوس وكاسيا. عاش ماركوس وكاسيا في جرش خلال العصر الروماني، ووقعا في حب عميق رغم أن عائلتيهما كانتا في صراع مستمر.

يُقال إنهما كانا يلتقيان سرًا في المسرح الروماني عند حلول الليل، حيث كانت الأضواء الخافتة والشوارع الهادئة توفر لهما ملاذًا آمنًا للتعبير عن مشاعرهما. كان حبهما سرًا قويًا لدرجة أنهما تحديا التقاليد والعوائق الاجتماعية ليكونا معًا.

تجسد هذه القصة الغير حقيقية و الدارجة بين الناس روح الرومانسية والتحدي، وتعطي لمحة عن الحياة العاطفية في تلك الحقبة، مما يجعل جرش ليست مجرد مدينة أثرية، بل أيضًا مكانًا يحتضن قصص الحب والشجاعة.

في عام 2024، شهدت مدينة جرش اكتشافًا أثريًا غير عادي ومثير للاهتمام. في موقع تال أبو سوان، تم العثور على قبور تحتوي على جمجمتين إنسانيتين تعودان إلى فترة العصر النيوليثيك (7500-5500 قبل الميلاد). هذا الاكتشاف يعتبر نادرًا ومميزًا على المستوى العالمي، حيث يُعد من بين أقل من 12 موقعًا في العالم يحتوي على مثل هذه الجمجمات.

الجمجمتان يعتقد أنهما تعودان إلى شخصين كانا يعيشان في جرش خلال تلك الفترة القديمة. الأبحاث تشير إلى أنهما ربما كانا جزءًا من طبقة اجتماعية مرموقة في المجتمع، حيث كانا يشاركان في تنظيم الأنشطة الزراعية وإدارة الملكيات العائلية للأرض. هذا الاكتشاف يسلط الضوء على أهمية جرش كمنطقة تاريخية غنية بالتراث والأسرار القديمة.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }