(المضمون: الاعتقال المبالغ فيه لاشخاص اطلقوا المفرقعات أو الصقوا بوستات، يجب اعتباره جرس تحذير. النظام الذي تخشون منه يوجد هنا، وهو يلفكم مثل الغسق حيث يخفت الضوء بالتدريج الى حين مجيء الليل–المصدر).
«الديمقراطية» هي كلمة مشحونة. نحن نتخيل أنها تأتي بضجة كبيرة، مع قوافل من الدبابات في الشوارع ومؤسسات حكومية مشتعلة. هذا ما تعلمناه في دروس التاريخ. ولكن في هذه الايام الديمقراطيات تسقط بصمت وبخطوات صغيرة، تقريبا لا يتم الشعور بها.
في الوقت الذي ننتظر فيه معظمنا بخوف شديد تحول اسرائيل الى ديكتاتورية، نتساءل ما الذي سنفعله حينها. عمليا، تجري حولنا احداث كثيرة يمكن تصنيفها في هذه الفئة المظلمة. هذا واضح بشكل خاص في سلوك الشرطة ومصلحة السجون، التي تخضع للوزير ايتمار بن غفير، والتي تحولت الى عديمة الفائدة امام الجريمة وحوادث الطرق، لكنها مفيدة بشكل مدهش في التعامل مع معارضي النظام (في دولة ديكتاتورية يسمونهم منشقين، وعندنا يسمونهم «يساريين خونة».
أول أمس نشر بأن المتهمين الاربعة باطلاق الالعاب النارية البحرية نحو منزل عائلة بنيامين نتنياهو في قيصاريا، تعرضوا للتفتيش وهم عراة بعد زيارة عضو الكنيست جلعاد كريف. لا يكفي أنه في اعقاب عملية احتجاج غبية لم تتسبب بالضرر تم اعتبارهم ارهابيين. ولا يكفي أنهم معتقلون منذ اكثر من شهر. ولا يكفي أنه بتوجيه من الوزير تم حرمانهم من الزيارات والكتب والمكالمات الهاتفية، بل يجب ايضا اهانتهم بشكل اعتباطي. هكذا هو الامر في دولة ديكتاتورية: الممتلكات الكثيرة لعائلة الحاكم محاطة بهالة مقدسة. في حين أن جسد وحرية من يعارضونه لا قيمة لها ويمكن سحقها.
نفس انفاذ القانون الانتقائي والوحشي كان واضح ايضا في حالة اندريه كرزنوفسكي، الذي اعتقل تقريبا مدة اسبوع بسبب الصاق بوست. لو أنه وجه اللكمات لعائلات المفقوظين أو قام باقتحام قاعدة عسكرية لما كان حتى سيتم التحقيق معه. ولكن في هذا البوست كتب «فلسطين حرة»، الامر الذي لا يغتفر.
قبل اسبوعين نشر كرزنوفسكي فيلم فيديو ظهر وهو يقوم فيه بالصاق البوست الاجرامي على موقع مراقبة في سدروت، الذي يأتي اليه الاشخاص للاستمتاع برؤية غزة المدمرة. «من هنا فان كل صاروخ يسقط هو فقط ضربة خفيفة وعمود دخان، لكن هناك هذا يعني اطفال موتى»، شرح كرزنوفسكي. الحنان غرونر، ناشط من اليمين المتطرف، قام بنشر الفيلم وقال إن كرزنوفسكي قام بتخريب نصب تذكاري للرائدة شيلا كوهين، التي وقفت في نفس المكان (في الفيلم ظهر أن البوست لم يتم وضعه في المنطقة المخصصة للتخليد، بل في موقع المراقبة الوحشي). الوزير اسحق غولدكنوفف والمفتش العام داني ليفي تدخلا وطلبا اعتقاله. الشرطة ادعت بأنه «يشكل خطرا»، وكرزنوفسكي تمت معاقبته بسبب الجريمة الفظيعة، الشفقة على الفلسطينيين.
يسهل التلويح بهذه الحوادث بذريعة أن الامر يتعلق بمجرمين يستحقون العقاب. ولكن هذه الحوادث تجسد العلاقة المنحازة والخطيرة لمعارضي النظام. في كتاب «كيف تموت الديمقراطيات»، الصادر في 2018، كتب الباحث ستيفن ليبسكي والباحث دانييل زبلت بأن السيطرة على جهاز القانون والقضاء واستخدام انفاذ انتقائي للقانون من اجل معاقبة معارضين وحماية المقربين، هي من الاشارات المسبقة التي تدل على أن الحكومة تعمل على تدمير الديمقراطية من الداخل وفرض نظام استبدادي.
انهيار الديمقراطيات في هذه الايام، كتب الباحثان، هو عملية بطيئة ومضللة، على الاغلب تنفذها حكومة انتخبت بشكل ديمقراطي. «لأنه لا توجد حتى لحظة واحدة، انقلاب، اعلان عن نظام عسكري أو الغاء الدستور، فيها النظام بوضوح «اجتاز الخطوط» للانتقال الى الديكتاتورية، فانه لا يوجد أي شيء يدق جرس التحذير للمجتمع»، شرحا.
الاعتقال المبالغ فيه لاشخاص اطلقوا المفرقعات أو الصقوا بوستات، يجب اعتباره جرس تحذير. النظام الذي تخشون منه يوجد هنا، وهو يلفكم مثل الغسق حيث يخفت الضوء بالتدريج الى حين مجيء الليل.
(هآرتس)