شكل التاسع من نوفمبر، في الذاكرة الوطنية الأردنية، رمزيةً للصمود والتحدي، والعظمة والإصرار على مراكمة المُنجزين، الحضري والتاريخي، ممثلة بالمؤسستين الأمنية والعسكرية، إلى جانب الشجاعة الملكية المتوازنة والحكيمة.
ففي العام 2005م، حالت الأجهزة الأمنية، بكل كفاءة وإقتدار، دون تحقيق مآرب الإرهاب، في النيل من الوطن، عقب تفجيرات جبانة طالت فنادق في العاصمة عمان، ذهب ضحيتها العشرات من الشهداء والمصابين، ممن لا زالت إصاباتهم شاهدة على لؤم تلك الأيادي الخبيثة، والتي أدمت قلوبنا في ذالك اليوم.
وفي العام 2019م، وعندما كان الرئيس الأمريكي المنتخب، دونالد ترامب، في سدة الحكم بالبيت الأبيض، بحقبته الأولى، ورغم محاولات التشكيك بالقدرات الوطنية وقت إذ، خرج الملك، عبدالله الثاني، ومن منبر مجلس الأمة، مُعلنًا إستعادة منطقتي الباقورة والغمر، من الاحتلال الإسرائيلي، وذالك استنادًا لإتفاقية وادي عربة وملحقاتها.
وكانت تلك المناسبتين، رسالة حازمة من الأردن، بمليكه «المُفدى»، وجنده الميامين، أنه قادرٌ على صناعة قراره المستقل، ومجابهة التحديات، من أجل حماية مصالحه وأمنه وإستقراره، في وقتٍ كان البعض يشكك في القدرة على تخطي الهزات التي تعرضت لها المملكة، عوضًا عن قدرته تحدي الجهات التي من الممكن أن كانت تريد ثنيه عن هذه الخطوة.
وفي إقليمنا الموبوء بالهزات السياسية المتشعبة، تمكن الأردن بصموده وعزة نفسه، وحنكة قيادته الهاشمية المُظفرة، من القفز فوق تلك الهزات، وامتصاص أثارها، وصناعة قراره بما يضمن مصالحه وأمنه القومي.
لقد تعرض الأردن، خلال تلك المرحلتين، إلى موجة من التشكيك والإنتقاص من قدراته، ولكن الأمر خالف أولئك الذين امتهنوا بث السموم، وترويج وخلق الأكاذيب، في حق الوطن، والذي تجاوزهم، وحقق ما تمليه مصلحته خلال المرحلتين.
ونجحت الأجهزة الأمنية، في وأد محاولات جر المملكة، إلى مستنقع الإرهاب والتطرف، واللذان لم يتوقفا عند 2005م، وشاهدنا هزات متعددة خلال العقد الماضي، إبان ظهور حركات التطرف والإرهاب ما بعد 2011م، ودفع الأردن ثمنًا من دماء أبنائه، في سبيل صون كرامة وآنفة هذا الحمى الهاشمي، ثمنًا غاليًا، ولكن جعل مواطنه وقاطنه يسير في أمن، وسط نيران ملتهبة.
وخلال العام 2019م، ورغم سيطرة اليمين المتطرف، على الجانب الأخر من حدودنا، ممثلاً بالحكومة الإسرائيلية، تمكن الأردن من استرجاع الباقورة والغمر، ووفق اتفاقية وادي عربة وملحقاتها، والتي شكلت فرصة للأردن المشاركة في جهود المساندة للأشقاء الفلسطينيين.
ويذكر أن اتفاقية المشافي الميدانية في غزة، والتي لم تكن لولا اتفاقية وادي عربة وملحقاتها، سمحت لسلاح الجو الملكي، التحليق فوق سماء غزة، لنقل المساعدات، وقد قادة الأردن منذ الثامن من اكتوبر، حراكًا إنسانيا لم يتراجع زخمه، رغم مرور نحو 400 يوم من الحرب.
ويأتي من يمتهن التشويه والتشكيك، في الميديا ليعمد نحو التشكيك بالقدرات الوطنية، وسلامة النوايا الرسمية تجاه القضايا العربية والإسلامية، رغم أن الأردن، من البلدان القلائل التي خاضت خلال الفترة الماضية، معركة دبلوماسية من اجل تخفيف المعاناة عن الأشقاء.
جسدت الأجهزة الأمنية، والقيادة الهاشمية، عبق الهوية الوطنية العميقة، والتي يحملها الأردن الهاشمي العربي المسلم، عبر ربع قرن من الزمن، واجهت خلاله المملكة تحديات ناءت بحملها أخرى، كانت مقدراتها أكثر، لكن إنساننا مؤمن، نشيط ومليء بالحيوية والطاقة، ما مكنه من تجاوزها.
كيف لا يتم ذالك، للأردني نجلُ الحضارة النبطية، والتي قدت حضارتها من بين الصخور في بتراء الصحراء، فكانت أمثولة القرون، وهو اليوم يحمل في جيناته تلك الحضارة، الحاضرة وجدانًا، ما يمكنه من «قد» الحياة من بين صخور الكتل البركانية المتحركة في عالمنا!