هل لاحظت يوماً أنك تسير في السوق وتجد نفسك فجأة بحاجة ملحة لشراء شيء لم تفكر فيه من قبل؟ نعم، هذا الهاتف الأحدث، ذلك المعطف الدافئ ذو الماركة العالمية، رغم شكوى خزانتك اليومية من المعاطف المكدسة على أرففها، وتلك الحقيبة الفاخرة، أو ربما ذلك العصير الذي لا يمكنك العيش بدونه حتى يوم غد.
يبدو أننا أصبحنا نستهلك أي شيء وكل شيء، بغض النظر عن الحاجة أو الفائدة. وما السبب؟ لأننا ببساطة نحب أن نكون "مستهلكين"، ويبدو أن كلمة "التوفير" قد اختفت من قواميسنا.
العجيب في الأمر أن الإعلانات، خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت جزءاً من حياتنا اليومية، تلاحقنا أينما ذهبنا، تذكّرنا بكل تلك الأشياء "الضرورية" التي لم ندرك أننا بحاجة إليها. فجأة، تصبح الحياة بدون هذا الجهاز أو ذاك المنتج غير ممكنة. لا، لا يهم إذا كان لديك بالفعل ثلاثة أجهزة مشابهة في المنزل، أو تشكيلة من أنواع القهوة التي لا نعرف مصدرها، فالأمر يتعلق بالموضة والظهور بأفضل مظهر على إنستغرام!
والأدهى من ذلك هو تأثير المجتمع. ترى صديقك يشتري شيئاً لا يحتاجه، فتشعر فجأة أنك تحتاجه أيضاً. الجميع يتسابقون لشراء الأشياء التي لا تضيف شيئاً فعلياً لحياتهم، فقط لأن المجتمع الإلكتروني أوهمهم بأن هذه المشتريات ستمنحهم السعادة الأبدية... يا لها من سعادة مؤقتة!
عدا عن إعلانات السوشيال ميديا التي تظهر في وجهك كأنها وجدت ضالتها في عقل متعطش للشراء، فمجرد أن تفوهت بكلمة عن منتج ما، تجد سيلًا من الإعلانات بكل الأساليب الاحتيالية يقفز في وجهك كطوق نجاة، يدغدغ سلوكك الاستهلاكي الذي وضعت نفسك فيه، فتبدأ مخيلتك تشرد في كل زاوية من عقلك الباطن، وكأن شراء هذا المنتج هو أفضل أهدافك في حياتك.
ثم تأتي اللحظة الحاسمة: الحيرة في دفع الفاتورة. أموال تُنفق على أشياء تافهة، والادخار؟ يا له من مصطلح غريب، أين سمعناه آخر مرة؟ نراكم في المستقبل القريب تبحثون عن حلول سحرية لتجاوز الأزمات المالية التي تسببها التسوق غير المبرر، أو شراء خدمات ليست ضرورية وليست حياتنا أو صحتنا متعلقة بها.
الحيرة عند دفع الفاتورة تكشف عن واقع مؤلم، وهو أن الكثير منا يعيشون في دائرة من الديون بسبب قرارات شرائية غير مدروسة.
في النهاية، هل نحتاج فعلاً لكل تلك المشتريات؟ أم أننا ضحايا لنظام استهلاكي يلاحقنا في كل لحظة، يسعى لتحويلنا إلى ماكينات صرف متحركة؟ إذا كان التفكير بالتوفير يبدو وكأنه شيء من الماضي، أو مبررات بعدم كفاية الراتب لأن حياتنا مليئة بالفواتير، ربما علينا أن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن نجد أنفسنا محاطين بأشياء لا معنى لها، وحساب مصرفي يئن من ثقل ديون لا تنتهي.