تتمتّع الدولة من منظور دستوريّ معاصر بخصائص: احتكار القوى المنظمة، احتكار العلاقات الدبلوماسيّة، احتكار فرض الضرائب وجبايتها، وإدارة سياسات الدولة. ماذا يعني هذا؟
أنّ للسلطة العامة حصراً احتكار القوى المنظمة واللجوء للقوة؛ بهدف الحفاظ على سلامة كيان الدولة واستقرارها، سواءً ضد أيّ أحداثٍ داخليّةٍ أو خارجيّة. وللسلطة العامة فقط إدارة العلاقات الدبلوماسيّة، وكل علاقة مع طرفٍ خارجيّ يجب أن تكون في نطاق الدولة وباسم الدولة، وقبل كل هذا بتفويضٍ من الدولة، وتحت رقابتها وبما ينسجم مع المصلحة العليا لها.
عند الوطن، يتساوى الحديث عن محاولة المسّ بهذه الخصائص، فلا اعتبار للعمدية أو الخطأ، ولا اعتبار لحسن النية من عدمه، والغاية عندها لا تُبرّر الوسيلة، فأيّ تجاوزٍ أو اعوجاجٍ في السلوكيات، هو مساسٌ باعتبار الدولة.
فكما هي فلسطين عنوان المرحلة اليوم، سيبقى الأردن سيد الموقف، فمنذ لحظة العدوان الأولى على قطاع غزة، والأردن يناضل في تفكيك السردية الإسرائيليّة ومخاطبة الضمير الإنسانيّ بلغة حقوقيّة تستنهض القيم المشتركة لوقف هذا العدوان الوحشي. فجلالة الملك هو أول من خاطب الضمير الإنسانيّ بلغته وأشار إلى انتهاكات حقوق الإنسان في قطاع غزة وعموم الأراضي الفلسطينيّة المحتلة، وحذّر العالم من أنّ ازدواجية المعايير في القضايا الحقوقيّة تُشكّل تهديداً حقيقياً للعيش المشترك، وتورث اليأس والاستسلام.
خاطب جلالة الملك العالم قبل شهر من القاعة التي تجتمع بها الأمم، محذّراً من انهيار القيم والمبادئ الأساسية للأمم المتحدة وفقدان شرعيتها، بسبب انصياع العدالة الدوليّة للقوة، وانتقائية حقوق الإنسان، فكانت فلسطين كل الحديث وعنوانه. وقاطعاً على نفسه حماية الوطن الذي أؤتمن عليه وعلى مستقبله بأنّ الأردن لن يكون وطناً بديلاً أبداً، وأن مجرّد التفكير بمحاولة التهجير القسريّ، هي جريمة حرب.
قطفت الأحزاب السياسيّة ثمار مشروع التحديث السياسيّ في العاشر من أيلول الماضي، بعد مسيرة تحديث خطتها المملكة برؤية استراتيجية لمستقبل يجمع الأردنيين ولا يفرّقهم، ويعزّز من مكانة الأحزاب باعتبارها محور العملية السياسية، ما يلقي بأن تتصالح الأحزاب مع تجاربها وسلوكياتها السابقة، لتدرك من خلالها بأنّ إشراكها في المستقبل كان برعاية ملكيّة مباشرة تعميقاً للنهج الديمقراطيّ.
فلا استقواء على الدولة، ولا امتداد لأي جهة أو نهج أو وجود داخل الأردن دون أن يكون أردني المضمون والشكل، ولا مساس أو تبنّي أو مناداة بأيّ دورٍ مقتصرٍ على الدولة، وأن الدولة أعلم وأكثر حكمة وقدرة على تحديد مصالحها العُليا وإدارتها، وتحصين الجبهة الداخليّة واجب وهوية.
تحتاج الأحزاب إلى صدمةٍ خلاصيّةٍ لتعيش في الحاضر والمستقبل وتتخطى الماضي! نحتاج أردنياً اليوم إلى تحفيز مخزون الذاكرة نحو الثوابت الوطنيّة، وتنمية البنيات الذهنية نحو مفهوم الوطن، ومراجعة السلوكيات في الحياة العامّة لتقويم الاعوجاج، وللسيطرة على اللاعقلانية والتهور والمغامرات في الفضاء العام، والأهم لتحقيق مناعة مجتمعية فكرية بنيوية ذات أبعاد وطنية تأسيسية.
جامعة اليرموك