يعود جابر بن حيّان في أصوله إلى مدينة حرّان في بلاد ما بين النهريْن. ويُرجّح البعض ولادته في الكوفة نحو عام 721 للميلاد لوالد قتله الأمويّون لمناصرته الدولة العبّاسيّة؛ فهرب جابر بن حيان إلى اليمن، ثم عاد إلى العراق بعد نشأة الدولة العبّاسيّة، واشتغل بالصيدلة وعلم الكيمياء في دكّان في مدينة الكوفة؛ فبدأ يُجري تجاربه التي أدت إلى اكتشافات مذهلة أسست لعلم الكيمياء الحديث على قاعدة المنهج التجريبي في العلم الحديث.
تلقّى جابر بن حيان العلوم الكيميائيّة على جعفر الصادق وعلى الحميري؛ كما مارس الطب. عاش في مدينة دمشق القديمة، وتوفّي في الكوفة بعد أن فرّ إليها إثر نكبة البرامكة، وسُجن هناك حتّى وفاته. له الكثير من الكتب؛ منها: «أسرار الكيمياء»، و"نهاية الإتقان»، و"أصول الكيمياء»، و"علم الهيئة»، و"صندوق الحكمة»، و"كتاب الخواصّ الكبير»، و"كتاب السبعين»، و"كتاب الكيمياء الجابريّة».
يَعُدّ الخوارزمي الكيمياء من أصول اشتقاق عربيّة: من الفعل كمَى يَكمي؛ فيُقال: كمَى الشهادة؛ أي أخفاها وسترها. وعلم الكيمياء، أو «علم الصنعة»، كان مُحاطاً بالطلاسم. ويَعتبر برتيلو «أنّ لجابر بن حيّان في علم الكيمياء، ما لأرسطو من قبله في علم المَنطق». وفي كتاب «الحدود»، عرّف جابر بن حيّان الألفاظ والمُصطلحات، وقال بضرورة تحليلها إلى أبسط العناصر الممكنة. وفي كتابه «التصريف»، وضع تفصيلات التساوق في الحروف والطبائع، وآمن بقوّة الحرف ودلالته كمفتاح لطبيعة الأشياء؛ الأمر الذي جعل زكي نجيب محمود يَعدّه رائداً سبق الفيلسوف برتراند رَسِل والفيلسوف لودفيغ فتغنشتايْن في الذرّيّة المَنطقيّة والنظريّة التصويريّة للّغة.
ويمكن القول إن أهمّ إنجازات جابر بن حيّان إدخالُ المنهج التجريبيّ في صناعة الكيمياء؛ فضلاً عن أنّه صاحب اكتشافاتٍ واختراعاتٍ مُتعدّدة؛ منها: الصودا الكاوية، وحُمُوض النتريك والهيدروكلوريك والكبريتيك، التي استخدمها لفصل الذهب عن الفضة. كما اكتشف ماء الفضة، وملح النُّشادر، وماء الذهب، والبوتاس، وصبغ الأقمشة، ودباغة الجلود. وابتكر ابن حيّان أطليةَ مناعةٍ للنّشّ، وموادّ لترسيب الشوائب في المياه، وثاني أكسيد المنغنيز لصناعة الزجاج، وتحضير الفولاذ.
كذلك، استخدم جابر بن حيّان المِيزان لأوّل مرّة في قياس المقادير، وهذه الأداة ساعدته في تأسيس المنهج التجريبي. وتمكّن من اختراع نوْعٍ مُضيء من الحبر كي يساعدَه على قراءة المخطوطات في الظلام. واخترع ورقاً غيْرَ قابل للاحتراق، وأطلية للحديد تمنع الصدأ، وجهازَ تقطير، وكشف عن طرائق تحضير الزرنيخ. ويقال إن الرازي قام بتقطير الكحول بتأثير من جابر بن حيّان.
وامتازت أعمال جابر بن حيّان بتأسيس «علم التكوين"؛ وهو علم القوانين الطبيعيّة الكمّيّة، كما في قوله عند حديثه عن الموادّ في الطبيعة: «إنّها إذا وَجَدت للتكوّن طريقاً (غيْر طريقِها هي)، استغنت به عن طريقٍ ثانٍ». وبناءً عليه، فإنّ الطبيعة قادرة، بمحْض قواها الذاتيّة، أنْ تَخلقَ كائنات من الممالك الطبيعيّة الثلاث؛ وعلى وجه الخصوص المملكة الحيوانيّة. وها اكتشاف مذهل في زمانه أقرب ما يكون إلى نظرية التوالد الذاتي القريبة من الداروينية.
وتبنّى جابر بن حيّان فكرة أنّ الإنسان بوصفه كائناً حيّاً، كغيْره من الكائنات الحيّة في عالمَي النبات والحيوان، هو نتيجة ضروريّة لتضافر القوى الطبيعيّة التي تخضع لقوانين كمّيّة يكشف عن سرّها «علمُ المِيزان"؛ ومِن ثمّ، «فإنّ بالإمكان صناعة هذه الموادّ الحيّة بصورة طبيعيّة». ربّما، استناداً إلى هذه الأفكار، أسّس أبو بكر، محمّد بن زكريّا الرازي (ت.311 هجري/ 923 ميلادي) لنظريّة الوجود بصورة أكثر تطوّراً؛ بقوله: «لا يُخلق شيء من لا شيء؛ فيُوْجِب ذلك حدوثَ الطبائع من شيء قديم».
ومن «مِيزان الطبائع» التحوّلُ من كيفيّة إلى أخرى، كتحوّل الحارّ إلى بارد؛ أمّا «المِيزان الوزنيّ»، فهو مقدار كمّيّ. وما يُفضي إليه علم المِيزان هو «التكوين"؛ أي خَلْق مادّة جديدة. وهذا الإبداع يتمّ عبر العمل والتجربة. يقول جابر بن حيّان: «لا عَمَلَ إلاّ بعلمٍ قبله يتقدّمه... ولكن، اتعب أوّلاً تعباً واحداً واجمع وانظر واعلم؛ ثمّ اعملْ».
وقد تأثّر جابر بالجوانب الصوفيّة والتفكير بالخوارق والسحر، كما ذكر ابن وحشية، وبنظريّة الأعداد عند الفيثاغوريّين. وأسهمت صوفيته في إعاقته عن الوصول إلى نتائجَ علميّةٍ صحيحة عبر مَنهجه التجريبيّ. ويعتقد الباحثون أنّ مجموعة كتبه كانت إسماعيليّة الطابع، وما وصلنا منها كان مُشوّهاً. لذلك، يقول عبد الرحمن بدوي: إنّ بعض هذه الكتب كان منحولاً؛ وقد وضعتها مجموعات من علماء من الإسماعيليّة المشتغلين بالكيمياء.
ومع ذلك، فإنّ كيمياء جابر بن حيّان تمتاز بنزوعها إلى الناحية التجريبيّة والاتّجاه العقليّ والعلميّ، مستبعدة بذلك القوى الخارقة التي كانت سائدة في الكيمياء آنذاك وجعلت منها «خيمياء» بدلا من «كيمياء». وكان منهجه قريباً من العلوم الإغريقيّة؛ بدليل ذلك الإنتاج الهائل من المعارف المادّيّة المخترَعة والمكتشفَة.
وإذا نظرْنا إلى رسالته في «الميزان»، فإنّنا نرى أنّه لاحظ أهمّيّة العَلاقة الجدليّة بين النظريّة والتطبيق؛ أي بيْن العقل والتجربة. واشتغل بالكيمياء استناداً إلى أنّ فكرة التجربة العلميّة يُمهّد لها عقلُ الإنسان ومنطقُه، على شكل «نظريّةٍ» يَنطلق منها بداية، ثمّ يشرع بالتحقّق منها تجريبيّاً؛ ليعودَ مرّة أخرى لمراجعة ما توصّل إليه من نتائج، سعياً لتطوير النظريّة من جديد. ومقولته الشهيرة: «العلّة الأوّلى هي العقل، والعقل هو العِلم، والمِيزان هو العِلم»، إنّما تدلّ على ضرورة التركيز على أهمّيّة العقل في إنتاج المعرفة، التي أكّدها فيما بعد فيلسوفُ العرب الكِنْدي (ت 256 هجري).
وجابر بن حيان، المعروف أيضاً بأبي الكيمياء، كان له تأثير كبير على تطور العلوم في أوروبا، وخاصة في مجال الكيمياء. وقد أشاد العديد من علماء أوروبا بأهمية أعماله.
فالعالم روبرت بويل الذي يُعتبر أبا الكيمياء الحديثة، تأثر بشكل كبير بأعمال جابر بن حيان، واعتبره من الرواد الأوائل في مجال التجارب الكيميائية. أشاد روبرت بويل بأعمال جابر بن حيان ووصفها بأنها متقدمة على عصرها.
أمّا العالم مارسيلين بيرثيلو، الكيميائي الفرنسي المعروف، فقد أشار إلى أن جابر بن حيان كان له تأثير كبير على العلم والتجريب في العصور الوسطى، واعتبر أعماله بداية حقيقية لتطور الكيمياء في أوروبا.
وإريك جون هولميارد، مؤرخ العلم الشهير، كتب عن جابر بن حيان بأنه كان شخصية عظيمة في التاريخ العلمي، وأن أعماله في مجال الكيمياء تُعتبر من الأعمال الأساسية التي ساهمت في نقل العلوم من العصور الوسطى إلى العصر الحديث.
أمّا العالم الفرنسي تشارلز ليوبولد ماير فقد وصف جابر بن حيان بأنه مؤسس الكيمياء كعلم، وأكد على أهمية أعماله التي شكلت الأساس لتطوير هذا العلم في أوروبا لاحقاً.
وبناء عليه، نستطيع القول إن علماء العرب وأوروبا أجمعوا أن جابر بن حيان كان رائداً في علم الكيمياء، وأن أعماله كانت حجر الأساس الذي بُني عليه العلم الحديث، مما أدى إلى تطوير تقنيات جديدة في الكيمياء والعلوم الأخرى التي نتمتع باختراعاتها في أيامنا هذه.