عندما يقرأ أحدنا قصة أبي بن كعب رضي الله عنه، وأن الله امر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ان يقرأ على أبي بن كعب سورة البينة، فيقول أبي مستعظما ذلك: آلله ذكرني باسمي؟! فيجيب سيدنا محمد: بنعم، فيبكي أبي بن كعب فرحا وخشية لله، لأن له اسما يذكر عند الله تعالى. فسبحان الله. ولعل أحدنا يتساءل: بم بلغ أبي بن كعب هذه المنزلة؟ فالجواب واضح: أن الرجل كان من علماء الصحابة وأمة محمد صلى الله عليه وسلم في القران تلاوة وفهما، ومع أنه يتلو قوله تعالى:» اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ» (البقرة: 152)، ومع أنه يعلم هذه الآية، لكنه لم يكن ليتوقع ذلك بهذا الشكل. فهناك فرق بين العلم بالشيء وبين تذوقه ومعايشته، ومثل ذلك ما فعلت أمنا عائشة عندما أنزل الله براءتها بقرآن يتلى الى قيام الساعة، وهناك شواهد كثيرة، والمهم في ذلك أن نستحضر هذه الصورة في أذهاننا أن الله تعالى برحمته وفضله سوف يذكر اسمك في نفسه أو في ملأ من الملائكة، وهذا منطوق الحديث القدسي: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملأه»، وكل ذلك الفعل مبتدأه منك أيها المسلم، فأنت من يبدأ بالذكر وقراءة القران، وأعلى هذا الذكر هو القران لأن من أسمائه الذكر، كما أن على المسلم أن يذكر الله في كل أحواله، فقد قَالَ رسول الله: مَنْ قَعَدَ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ، وَمَنْ اضْطَجَعَ مَضْجَعًا، لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ»، والترة بمعنى المنقصة. ولأن أجر الذكر عظيم عند الله تعالى فلا بد أن نتبين فضله ونحرص عليه، فتخيل معي: كيف أن الله يذكر اسمك، فأي شرف هذا وأي منزلة هذه التي جعلت نفسك فيها بقليل عمل وكثير أجر. إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: » الحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماوات والأرض»، فاجعل لنفسك أخي المسلم منها نصيبا بعد كل صلاة وقبل نومك، وصباحك ومساءك، ومنها قول العبد بعد الصلاة وقبل النوم:» من قال دبر كل صلاة وإذا أخذ مضجعه: الله أكبر كبيرا عدد الشفع والوتر وعدد كلمات الله التامات الطيبات المباركات ثلاثا، ولا إله إلا الله مثل ذلك، كن له في قبره نورا، وعلى الجسر نورا، وعلى الصراط نورا حتى يدخلنه الجنة أو يدخل الجنة ». ومنها قول المصطفى:» سبق المفردون، قالوا: وما المفردون؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات».
فهذه دعوة لنا بما نطيقه أن نعيد صياغة أنفسنا، فنجعل من طلب الرزق وتفاصيل حياتنا ساحة للذكر، فالذكر عبادة سهلة فلا يطلب له الوضوء، وتذكر الله في كل حين وأي مكان عدا الحمام، ويتقلل العبد فيه من كلام الناس بما فيه من القال والقيل، وكل هذا لا بد أن يكون مصاحبا للفرائض، كإقامة الصلاة والصوم والزكاة على المقتدر ماليا، متجنبا للمحرمات، كالغيبة والنميمة وظلم الناس وأكل الحرام. وأحسن طريقة لتعويد النفس على الذكر هو أن تخصص وقتا في بداية يومك لتسرد مجموعة أذكار الصباح والمساء والمأثورات وقراءة شيء من القران، طلبا لما عند الله من الأجر والبركة في نفسك ومالك وأهلك.
إن الذكر حياة، لا يعرف مذاقها إلا من جربها، وهناك كثير من الأذكار الصحيحة الثابتة عن رسول الله تستطيع أن تخصص لنفسك جزءا منها وتجعله وردا خاصا لك يوميا، وعندها تذوق حلاوة الذكر وحلاوة الإيمان، فتدرك بقلبك جميل أثرها في حياتك من السكينة والطمأنينة والبركة والقبول عند الله تعالى، كما قال تعالى: ألا بذكر الله تطمئن القلوب» (الرعد: 28)، وكما قال أهل التصوف: من ذاق عرف. ونختم بقوله تعالى: «إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا» (الأحزاب: 35). فإذا حافظ المسلم على طاعة الله ورسوله، وترك ما حرم؛ وأشغل وقته ولسانه بذكر الله؛ كان من الذاكرين والذاكرات، ونال بذلك أعلى الدرجات، والبركات. اللهم اجعلنا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات.