مع إشراقة كلّ صباح على هذا العالم، الذي يرفل بسعادة التقنيات، والتواصل الذي قرّب الشعوب من بعضها حتى أصبحت تستشعر بالصوت والصورة من خلال الخبر بمشاعر الآخرين، فيحزن الناسُ لحزن الناس ويسعد الناس لسعادة الناس.
إلا أهل غزّة.. فهم مع إشراقة كلّ صباح يرسمون صورة تفتّتُ القلوبَ فتًّا، فمن دماء الأطفال تأخذ المجنزرات ألوان البراءة وتخطها خطوطا على ذكريات العالم المأساوية، حتى ألعاب الأطفال شاركت في رسم الصورة الحزينة حيث أصابها من القصف ما أصاب أطفالها، كيف لا؟. وقد مات الطفل وهو يحتضن ألعابه وهو يظنها جَنّتَه وجُنّتَه.
والحرب على قطاع غزّة تحتاج من الخبراء العسكريين أن يضعوا لها تعريفا، فهناك حروب، عرقية، طبقية، دفاعية، هجومية، قبلية، دينية، عشوائية، وغير ذلك من الصفات والمسميات كالحرب الباردة وحرب النجوم والحرب السيبرانية، أما الذي نشاهده منذ السابع من أكتوبر فهو شيء آخر، لم تشهده قواميس الحروب ولا الحقد البشري، وأظنّ أنه ولا عصر الديناصورات يعرف لهذه الحرب رسم أو اسم.
وهنا.. وبعد تعبِ شديد من قادة العالَم وحكامها وحكمائها وخبرائها وطلابها وهم ينادون بأعلى أصواتهم، والأذان في غلاف غزّة في صمم من سماع النداء، ويكأنّ الإسرائيليين لا ينظرون إلى البشر ولا يعرفونهم، أو أنهم يعتبرون أنفسهم شيئا آخر عنهم، لأجل ذلك لا هم يستمعون النصح ولا هم يسمعون النداء بإيقاف الحرب، ولا عجبّ!! فهم لا يسمعون صراخ الأطفال التي أبكت الشجر والحجر فضلا عن البشر.
ومن خلال جهود استثنائية قام بها قادة العالم النبلاء، - وبفضل الله تعالى- كانت الأردنّ سباقة في دقّ ناقوس الخطر، فقد تحرّكت النبلاء على امتداد رقعة العالم الحرّ، ممن رأيناهم في كثير من المناسبات والعديد من الأصعدة، يتفاعلون مع دماء الأبرياء الذين قضوا تحت القصف بأنواعه ومجنزرات أكثر رحمة ممن يقودها.
من خلال تلك الجهود.. أثمرت النقاشات والمداولات على وقف الحرب، وفرح العالَم أخيرا بما أعلنه رئيس الولايات المتحدة الأمريكية على الهواء مباشرة، بما لا مزيد عليه ولا شكّ فيه ولا في تطبيقه، إلا أنّ العالم أجمع تفاجأ بأنّ الإسرائيليين لا يريدون وقف الحرب حتى تكمُل الحرب أوزارها (جمع وِزر، أي: إثم)، وأنّ الأهداف التي أنشئت لها لم تكتمل بعد، ورجع العالَم القهقرى ينتظر شفقة ممن لا يعرفها يوما على إنسان.
وهكذا غابت شمسُ الأمل ونحن أمام مسرحية تعبث بدماء الأبرياء، وتشتت شملَ العالَم، وتنخر بالسوس في بناء حضارة الإنسانية التي شارك فيها الإنسان أخاه ليصلا إلى ذروة السعادة، وأصبحنا أمام وقفة تنمّلٍ، تصنع بقدم الإنسانية الراسخة داءً لا شفاء منه إذا لم نتداركه بالتي هي أحسن.
أما لماذا لا يريد الإسرائيليون وقف الحرب على غزّة؟. فلأمرين مرّين:
- الإسرائيليون لا يريدون العالَم يلتقط أنفاسَه ويعود لحياته الطبيعية، ولا أن يزاول الناسُ حياتهم في شتى أصقاع العالم، وهذا أمر بدا واضحا من أول يوم في الحرب على غزّة، ومن قال شيئا غير ذلك فهو مجرد إضافة لما سبق.
أنّ الأهداف لم تكتمل!!. والسؤال: ما هي أهداف حربكم يا من تتلاعبون بأوجاعنا وقلوبنا وذرفتم الدموع من أحرار العالم، يا من تنتهكون حرمات المقدسات وحصانة المستشفيات وتطعنون بقرارات المحكمة الدولية؟ هل يمكن أن نعرفَها؟.–الجواب: لا يوجد أهداف على الحرب على غزة، سوى تلك الصور التي رآها العالم وبقي صامتا يكرر المشاهدة.
[email protected]