في عالم مليء بالتنوع الثقافي والتاريخي، تقف المتاحف لتفتح نوافذها على ماض غني وثقافات متنوعة، بمكان ساحر يعزز الفهم ويحفز الفضول لإستكشاف تراث البشرية من خلال مجموعات فنية وتاريخية مذهلة، لتقدم قصصها الملهمة ومعرفتها العميقة، ويمتلك كل متحف هويته ومجموعته الخاصة به، ليضيف للزائر تجربة فريدة ومميزه.
فالمتاحف ليست مكان لحفظ التراث والفنون فقط، وإنما مرآة تعكس تاريخ الأمم وحاضرها، وتمثل الهوية الحقيقية للشعوب، حيث تسجل حضاراتها وتاريخها الثري، وتلعب دوراً هاماً في تعزيز التواصل الإجتماعي والثقافي، حيث يجتمع الناس من مختلف الخلفيات لإستكشاف وتبادل الأفكار والتجارب التي لا تنسى وتثري الروح وتوسع الأفق.
ونتيجةً للنمو الهائل الذي شهده قطاع السياحة الثقافية في العقود الأخيرة، ارتفع عدد المتاحف في العالم في عام 1975 من 000 22 إلى 000 95 مؤخرا، كما تؤدي دوراً رائداً في تدعيم الإقتصاد الإبداعي على الصعيدين المحلي والإقليمي، لما يدركه السائحون والزائرون والباحثون من أهمية الماضي والصلات التي تربطه بالحاضر.
وعليه، يحتفل العالم منذ عام 1977 باليوم العالمي للمتاحف الذي يصادف الثامن عشر من مايو، والذي يهدف إلى إتاحة الفرصة للمختصين في المتاحف من التواصل مع العامة وبيان التحديات التي تواجهه، بإعتبارها مؤسسات تخدم وتطور المجتمع بحسب تعريف المجلس الدولي للمتاحف، وفي عام 1992، تقرر الإحتفال بهذا اليوم تحت شعار يقرره إجتماع إستشاري من المجلس، حيث تُقام الإحتفالات والفعاليات تحت مظلة هذا الشعار، ومن بعض الشعارات التي تم إطلاقها في الإحتفال بيوم المتاحف العالمي شعار «المتاحف والسياحة» لمساهمتها في جذب السياح وتطوير وتنميـة السياحة، وتم الإحتفال بأحد السنوات تحت شعار"المتاحف للإنسجام الإجتماعي»، وذلك لتمكين المؤسسات تقديم الخدمة وتطوير المجتمعات المحلية من خلال تبادل الثقافات وإثرائها، وزيادة التفاهم والتعاون المتبادل، بالإضافة إلى نشر السلام في تلك المجتمعات.
يُعتبر متحف اللوفر في باريس واحدًا من أشهر وأكبر المتاحف، حيث يزوره ما يقارب 8 ملايين سائح سنويًا، ويحتوي على قطع أثرية نادرة من مختلف الحقب الزمنية والمناطق.
يأتي الزائرون إلى المتاحف للإستمتاع بمشاهدة محتوياتها الأثرية والفنية، وتتركز وظيفة المتحف بشكل أساسي في حفظ وصيانة وعرض نماذج من مخلفات الحضارات القديمة، وتتعدد وظائف المتاحف وتؤدي رسالة تربوية وتعليمة وثقافية وسياحية، وفنية، وعلمية وإجتماعية وأخلاقية ووطنية وقومية.
وبسبب الكوارث التاريخية التي تعرضت لها الحضارة الإنسانية كان من الضروري حماية التراث الثقافي والتاريخي وضرورة التصدي لتهديدها في أوقات الصراع والإضطراب.
وفي العام 2024 تم الإحتفال بهذا اليوم تحت شعار(المتاحف للثقافة والبحث) لبيان أهمية المتاحف في زيادة الوعي وتثقيف السياح ومرتاديها في مجالات مختلفة سواء الحضارية والتاريخية والعلمية وحتى الفنية، ولتسليط الضوء على أهمية المتاحف و الدور الفعّال الذي تقدمه لتطوير المجتمعات المحلية من خلال تبادل الثقافات وإثرائها، وزيادة التفاهم والتعاون المتبادل بالإضافة إلى نشر السلام في تلك المجتمعات.
فالهدف من هذا العام هو خلق الفرصة لتنفيذ برامج وفعاليات قادرة على خلق التواصل مع زوار المتاحف من أفراد وطلبة مدارس ومهتمين من جانب، والتأكيد على أهمية ودور المتاحف من جانب آخر.
وتعد الأردن موطنًا لمجموعة متنوعة من المتاحف، ولكل منها تركيزها الفريد وعروضها، حيث فاق عددها لأكثرمن 50 متحفا منتشرة في كافة محافظات المملكة، وتتمثل بـ17 متحفا أثريا مثل متحف البتراء ومتحف أم قيس، وثلاث متاحف تراثية وشعبية كمتحف التراث الأردني ومتحف الحياة الشعبية، بالإضافة إلى متاحف أخرى كمتحف السيارات الملكي و متحف الدبابات الملكي.
ولأهمية تاريخ الأردن مروراً بحقبه التاريخية وانتهاءً بتاريخها الحديث، تم مؤخراَ وبتوجيهات ملكية إفتتاح متحف بيت الشريف حسين في ساحة الثورة في مدينة العقبة، ليصبح متحفاً لرواية سيرة المغفور له وقصة الثورة العربية الكبرى، كما تم إعادة وتأهيل قصر المغفور له الملك المؤسس عبدالله الأول طيب الله ثراه في مدينة معان، بهدف تطوير القصر ليصبح متحفا وطنيا، يحاكي تاريخ الدولة الأردنية ونشأتها وتأسيسها.
كما تم بناء متحف وطني في منطقة رأس العين في عمان في عام 2002، والذي يعد أكبر متحف في المنطقة، ليروي تاريخ الاردن على مدى مليون و نصف عاما، ويتضمن العديد من المراحل المفصلية في تاريخ الحضارة الإنسانية، و تتلخص أهم مهام هذا المتحف في تمكين المواطن من أدراك و تقدير أهمية الحفاظ على الهوية الوطنية إضافة إلى كونه مركز تدريب إقليمي، وتعد دائرة الآثار العامة في الأردن الذراع المالي والتقني والرقابي لتطوير عمل المتاحف والحفاظ عليها.
تعد المتاحف بمثابة مؤسسات تعليمية ملهمة للإبداع والتفكير، كما تساهم في جذب الزوار والسياح من جميع أنحاء العالم مما يعزز الإقتصاد المحلي، علاوة على ذلك، تنمي هذه المؤسسات الشعور بالفخر والإنتماء الوطني الذي يعزز الهوية الثقافية للمجتمع، لذا فإن نشر التوعية والتثقيف بأهمية المتاحف والعمق الحضاري الذي تحويه بداخله، والمحافظة على مكنوناته، وتدريب كوادره واجب وطني على الجميع.
خبير سياحي