منذ 56 عاماً، وقف جيشنا العربي كأسود تربض في الميدان، وذادوا عن الوطن بأرواحهم في معركة ستبقى عنواناً أردنياً خالصاً، وهي معركة الكرامة. هذه المعركة التي كسرت نظرية الجيش الذي لا يهزم (والمقصود هنا جيش العدو الصهيوني)، فقد حاولت قوات جيش الصلف الصهيوني القيام بمغامرة احتلال الضفة الشرقية لنهر الأردن لأسباب تعتبرها دولة الكيان الصهيوني استراتيجية، وقد عبرت هذه القوات النهر من عدة محاور مع عمليات تجسير وتحت غطاء جوي كثيف. وفي قرية الكرامة اشتبكت قوات الجيش العربي في قتال شرس مع قوات جيش العدو الصهيوني في معر?ة أجبرت قوات جيش العدو الصهيوني على الانسحاب الكامل من أرض المعركة تاركين وراءهم ولأول مرة خسائرهم وقتلاهم دون أن يتمكنوا من سحبها معهم. وتمكنت قوات الجيش العربي من تحقيق النصر والحيلولة دون تحقيق العدو الصهيوني أهدافه المعلنة وغير المعلنة.
وتظهر أهمية معركة الكرامة بوضوح في الرسالة التي وجهها جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال إلى منتسبي القوات المسلحة بعد المعركة حيث قال «لقد مثلت معركة الكرامة بأبعادها المختلفة منعطفاً هاماً في حياتنا ذلك أنها هزت بعنف أسطورة القوات الإسرائيلية كل ذلك بفضل إيمانكم وبفضل ما قمتم به من جهد وما حققتم من تنظيم حيث أعدتم إحكام حقوقكم واجدتم استخدام السلاح الذي وضع في أيديكم وطبقتم الجديد من الأساليب والحديث من الخطط وإنني لعلى يقين بأن هذا البلد سيبقى منطلقاً للتحرير ودرعاً للصمود وموئلاً للنضال والمناضلين ي?مى بسواعدهم ويذاد عنه بأرواحهم وإلى النصر في يوم الكرامة الكبرى والله معكم».
فمعركة الكرامة بالإضافة إلى أنها هزت بعنف أسطورة القوات الصهيونية إلا أنها أيضاً أظهرت قدرة الجيش العربي، حيث قال حاييم بارليف رئيس أركان جيش العدو الصهيوني في حديث له نشرته جريدة هارتس يوم 31/3/1968 «إن إسرائيل فقدت في هجومها الأخير على الأردن آليات عسكرية تعادل ثلاثة أضعاف ما فقدته في حرب حزيران».
وأضاف بارليفأن عملية الكرامة كانت فريدة من نوعها ولم يتعود الشعب في (إسرائيل) مثل هذا النوع من العمليات، وبمعنى آخر كانت جميع العمليات التي قمنا بها تسفر عن نصر حاسم لقواتنا، ومن هنا فقد اعتاد شعبنا على رؤية قواته العسكرية وهي تخرج منتصرة من كل معركة، أما معركة الكرامة فقد كانت فريدة من نوعها، بسبب كثرة الإصابات بين قواتنا، والظواهر الأخرى التي أسفرت عنها المعركة مثل استيلاء القوات الأردنية على عدد من دباباتنا وآلياتنا، وهذا هو سبب الدهشة التي أصابت المجتمع الإسرائيلي إزاء عملية الكرامة.
في حين وصف قائد مجموعة القتال الصهيونية المقدم (أهارون بيلد) المعركة فيما بعد لجريدة دافار الصهيونية بقوله: لقد شاهدت قصفاً شديداً عدة مرات في حياتي لكنني لم أر شيئاً كهذا من قبل، لقد أصيبت معظم دباباتي في العملية ما عدا اثنتين فقط.
وقال أحد كبار القادة العسكريين العالميين، وهو المارشال جريشكو رئيس أركان القوات المسلحة السوفياتية في تلك الفترة «لقد شكلت معركة الكرامة نقطة تحول في تاريخ العسكرية العربية».
أما مجلة نيوزويك الأمريكية فقد قالت بعد معركة الكرامة: «لقد قاوم الجيش الأردني المعتدين بضراوة وتصميم، وإن نتائج المعركة جعلت الملك حسين بطل العالم العربي».
الاحتفال بذكرى معركة الكرامة ليس مجرد احتفال روتيني بل هو فرصة حقيقية للأردنيين كي يتذكروا أن ثمة أعداء لهم ينتظرون الانقضاض عليهم، وهم من يجب أن نكون جاهزين لمحاربتهم، وأننا قادرون بولائنا وانتمائنا وما نملكه من إمكانيات أن ننتصر، فحقيقة الأردن والأردنيين قادرة على هزم أية أسطورة، وما زال الأردن وقواته المسلحة (مصنع الرجال) كذلك مصنع (النساء النشميات).
من صنع النصر هم أردنيون أبطال وبطولتهم كانت حبهم لهذا الوطن، وما يمثله من صمود عروبي في وجه الغازي المحتل، هم من صنعوا التاريخ ليصير الربيع في الأردن (كرامة)، فربيع الأردن أخضر ومنذ عام 1968 ربيعنا يتجدد.
حين يكون الوطن مهدداً فإننا نُرخص لغالي والنفيس كي يبقى حراً سيداً مستقلاً، دون أن ندخل مغامرات غير محسوبة ستلقي الأردن في تهلكة، فالجيش العربي هو الجيش الوحيد الذي ألحق الهزيمة بالجيش الصهيوني، عام 1948، حين حمى أسوار القدس وتشهد له معارك اللطرون وباب الواد، ومرة أخرى في اليوم الخالد 21 آذار عام 1968.
للأردن سره الذي يحتفل في يوم واحد بالكرامة والأم والربيع.