تستقبل الأمة الإسلامية في هذه الايام المباركة مناسبة عظيمة نستلهم منها الدروس، وهي ذكرى حادثة الإسراء والمعراج، هذه الرحلة الربانية المعجزة بكل تفاصيلها، فهي بشارة ربانية جاءت نصرة للرسول الكريم محمد عليه الصلاة والسلام في بعثته وسيرته الطاهرة ورسالة الإسلام السمحة التي حمل أمانتها، مناسبة مقدسة خُلد اسمها في القرآن الكريم بسورة حملت اسمها هي سورة الإسراء، قال تعالى «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ».
إن الربط الرباني المقدس بين المسجد الحرام والمسجد الاقصى المبارك في السورة الكريمة وفي العديد من الاحاديث النبوية الشريفة، تأكيد على أن المسجد الاقصى المبارك له مكانة بالغة الاهمية في قلوب المسلمين، وهي بالطبع لا تقل عن مكانة المسجد الحرام والكعبة المشرفة، وهذه العلاقة الوثيقة نستشعرها باستمرار طوال تاريخ الحضارة الاسلامية وعبر مختلف عهودها من الاهتمام والرعاية لمدينة القدس أهلها ومقدساتها الاسلامية والمسيحية على حد سواء، حتى أصبح التعايش والتسامح والرعاية الشاملة من مميزات الادارة الاسلامية للمدينة المقدسة، وهذه المفاهيم والقيم جعلت من الادارة الاسلامية للقدس بيئة للنتاج المعرفي والثقافي، ويتصل بحادثة الاسراء والمعراج مضامين مهمة منها الظروف الاجتماعية والسياسية التي سبقتها، بما في ذلك عام الحزن واشتداد التضييق على النبي الكريم والدعوة الاسلامية التي يحمل أمانتها، فكان سبيله عليه الصلاة والسلام في مواجهتها الاتكال على الله تعالى والتحلي بالصبر والصمود.
واليوم وفي ظل ما تتعرض له مدينة القدس ومقدساتها من احتلال اسرائيلي همجي، يعمد الى محاولة تهويدها واسرلتها، من خلال سياسة الاعتقال والقتل ومصادرة الاملاك والاراضي وهدم البيوت واغلاق المؤسسات واقامة المستعمرات وتوسيع البؤر الاستيطانية وبناء الكنس اليهودية، بهدف محو الهوية الثقافية العربية والاسلامية للمدينة وتهجير اهلها واحلال المستوطنين مكانهم، الى جانب زيادة وتيرة اقتحام المقدسات الاسلامية والمسيحية وفي مقدمتها المسجد الاقصى المبارك وكنيسة القيامة، فإن اهلنا في القدس ارض الاسراء والمعراج وقبلة المسلمين الاولى وثالث الحرمين الشريفين يقدمون اروع دروس حادثة الاسراء والمعراج في صمودهم ونضالهم ورباطهم في وجه الاحتلال الاسرائيلي البربري، يساندهم في صمودهم الموقف الاردني الثابت والراسخ تجاه القدس والقضية الفلسطينية، بما في ذلك جهود الاعمار الهاشمي الشامل والمتواصل للمقدسات الاسلامية والمسيحية في القدس، واشراف وزارة الاوقاف والشؤون والمقدسات الاسلامية ومجلس اوقاف القدس التابع لها على الاوقاف في القدس، إضافة لرعاية ملكية مباشرة تتمثل باطلاق مبادرات ملكية عديدة بتوجيهات سامية من جلالة الملك عبدالله الثاني، منها، مبادرة وقفية «وقفية الملك عبدالله الثاني ابن الحسين الكرسي المكتمل لدراسة فكر الإمام الغزالي ومنهجه» عام 2012م، ومبادرة إعمار (القبر المقدس) في كنيسة القيامة عام 2016م، ومبادرة إنشاء وقفية المصطفى لختم القرآن الكريم في المسجد الأقصى المبارك عام 2022م، وغير ذلك من جهود المؤسسات الرسمية والاهلية الاردنية.
هذا الموقف التاريخي الذي تتصدر تضحياته وجهوده الدؤوبة القيادة الهاشمية صاحبة الوصاية الهاشمية على المقدسات الاسلامية والمسيحية في القدس، التي تعود جذور وصايتهم الى حادثة اسراء ومعراج جدهم العظيم الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، الذي وثقت علاقته عليه السلام بالقدس ومقدساتها منذ قرون طويلة، استمر في حمل أمانة ميثاقها وشرف الدفاع عنها نسله الاطهار من بني هاشم الاخيار.
ان اللجنة الملكية لشؤون القدس وبمناسبة ذكرى حادثة الاسراء والمعراج تعيد التاكيد على ضرورة دعم صمود اهلنا في مدينة الاسراء والمعراج (القدس بوابة السماء) ومدينة السلام والتسامح، التي فقدت للاسف معاني الوئام والتعايش بسبب سياسة وممارسة الاحتلال الاسرائيلي الذي يفرض أمام نظر العالم عنجهيته وجرائمه البشعة، التي تتزامن اليوم مع عدوانه على قطاع غزة وكافة مدن فلسطين المحتلة، حيث ارتقى في غزة الالاف من الشهداء والجرحى والمعتقلين ونزح أكثر مليون ونصف مواطن بسبب جريمة الابادة والتطهير العرقي لحكومة اليمين الاسرائيلية، الى جانب معاناة جميع اهلها بسبب القصف الوحشي على الانسان والشجر والحجر فيها.
ان اللجنة الملكية لشؤون القدس تقول للعالم بان رسالة الاسراء والمعراج بما فيها من الصمود والصبر والتمسك بالحق رغم التضييق والمعاناة، هي حق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره وعودة أرضه ومقدساته الاسلامية والمسيحية هذه الحقوق التي اقرها التاريخ والشرعية الدولية، والتي لايمكن للاساطير التلمودية والقوة العسكرية وشريعة الغاب التي تمارسها حكومة اسرائيل ومن يؤيدها من جماعات الهيكل المزعوم وبعض القوى العالمية التي تكيل بمكيالين أن تمحوها.
فكل عام واهلنا ومقدساتنا في فلسطين والقدس وشعوب امتنا العربية والاسلامية بخير، وسيبقى الاردن شعبا وقيادة هاشمية صاحبة الوصاية الهاشمية على المقدسات الاسلامية والمسيحية في القدس السند والداعم لفلسطين اهلها ومدنها ومقدساتها مهما كان الثمن وبلغت التضحيات.
أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس