كتاب

25 عاماً كيف مضت؟ أو كيف تصنع حلماً وسط كابوس!

يتصل بي الدكتور خالد الشقران، رئيس تحرير 'الرأي'، نتناقش في اليوبيل الفضي لحكم الملك عبد الله الثاني، ذكرى الوفاء والبيعة، أصمت قليلاً، وأسأل نفسي، كيف مضت خمسة وعشرون عاماً على ذلك اليوم؟ وهل يمكن أن نعيد ترتيب الحكاية من جديد؟

يدور حديث شائع في الأردن، أن اختيار الأمير عبد الله بن الحسين، أتى في الأسابيع الأخيرة من حياة الملك الراحل الحسين، ولكن ذلك ليس دقيقاً على أية حال، الصحافي اللبناني وليد أبو ظهر، أفرد تقريراً عن ولاية العهد في الأردن في منتصف التسعينيات، وكنت طالباً في المرحلة الثانوية، أضع مجلة الوطن العربي في خانة متقدمة من مصروفي البسيط، وكان أبو ظهر يتحدث عن الولاية للأمير عبد الله، وهو البعيد عملياً عن الواجهة في تلك المرحلة.

كان الأمير عبد الله ولياً للعهد منذ ولادته عملاً بالدستور الأردني، والعرف السائد في الأسرة الهاشمية، ومختلف الأسر المالكة في العالم، إلا أن الستينيات العاصفة ومحاولات الاغتيال المتعددة التي لحقت بالملك الحسين، جعلته قرر اختيار شقيقه الأمير الحسن لولاية العهد، تجنباً لفراغ يمكن أن يضع الأردن على حافة الفوضى في حال نجحت واحدة من عمليات الاغتيال المحتملة.

التأمل في مسيرة الحسين بن طلال تدفع للاعجاب الكبير بالرجل وتراثه، فقبل أن يرحل كانت الأردن استكملت مستلزمات الدولة الحديثة من جيش على قدر كبير من الكفاءة، ومنظومة تعليمية وصحية متميزة، ولكن وراء الصورة المشرقة لأردن التسعينيات، كانت تفاصيل كثيرة كامنة في الصمت الخجول والمهذب الذي أخذ يطبع الأردن مستمداً من شخصية الحسين نفسه، الرجل الذي كان يكظم الغيظ من غير تصريح، ويعرف المقربون منه منسوب الغضب الذي يحمله من تقطيبة جبينه والجذ على أسنانه، ونفور عروقه، ولعل هذه الأسباب هي التي دفعت بالملك لاستبقاء الأمير عبد الله بعيداً بعض الشيء، لم يكن يريد له أن يتحمل ميراث الماضي بأية طريقة.

في كتابه 'فرصتنا الأخيرة' يظهر أن الملك عبد الله الثاني لم يكن يعرف شيئاً عن نية والده بخصوص ولاية العهد حتى 22 يناير 1999، ويبدو أنه اعتبر أية أقاويل واحتمالات في خانة التوقعات السياسية أو الإثارة الإعلامية، فالملك الحسين بقي يمنح ابنه البكر الفرصة الكبيرة للبقاء بعيداً، وللدخول من غير ذلك الميراث الصعب الذي ترافق مع الملك الحسين منذ مراهقته، ومشهد اغتيال الملك عبد الله الأول في القدس 1951.

الأمور لم تكن جيدة في ذلك اليوم الممطر قبل ربع قرن، سياسياً، كان الأردن ما زال يعايش بعضاً من الآثار السلبية لأزمة حرب الخليج الثانية، والظروف في العراق وسوريا كانت بالغة التعقيد، وبدت اتفاقية السلام تخطو مبكراً للتعثر ولتخفيض مستمر في سقف التوقعات التي ارتبطت بها، واقتصادياً، كان الدين العام ما زال يحلق أعلى من الناتج المحلي الإجمالي، والسوق الأردني يتعافى بصورة بطيئة من تبعات أزمة 1989 ويدفع الثمن الاجتماعي لبرنامج التقشف الذي ارتبط بها.

كان الملك عبد الله الثاني يخطو في جنازة والده بخطوات واثقةومنضبطه، وعلى الرغم من مشاعره الشخصية، فالخبرة العسكرية جعلته يظهر بالصورة المطلوبة، ربما لا يحمل أعباء التاريخ الثقيلة مثل والده الراحل، ولكن استحقاقات المستقبل، كانت ربما أثقل.

كانت جنازة الحسين أكبر الجنازات الرسمية في القرن العشرين، جون كيندي لم يحصل على نفس التمثيل في جنازته، فأمام جثمانه المسجى وقف أربعة رؤساء أمريكيون، ومن بين المشاهد التي لا تنسى أداء الرئيس الفلسطيني التحية العسكرية أمام النعش، والوقوف المطول للرئيس السوري حافظ الأسد لقراءة الفاتحة للحسين على الرغم من معاناته الصحية الشديدة، وفي وسط ذلك، طاردت الكثير من العيون الملك عبد الله الثاني.

كنت في مصر، أتابع مثل غيري تفاصيل الجنازة الكبيرة، وكان كثيرون يبحثون بأعينهم عن الملك الجديد، عبد الله الثاني ابن الحسين، وأخمن أن الأمر كان كذلك في غير بلد حول العالم، وما زلت أذكر أن صديقة مصرية هتفت: أصبح لديكم ملك وسيم في الأردن! من ناحيتي، كنت أرى الملك الحسين وسيماً أيضاً، وكان آخر ما أفكر فيه صراحةً هو وسامة الملك وملامحه، ففي الأردن الكثير من الملفات المعقدة، وربما سنوات من حياتي المقبلة ستكون مرتبطة بالطريقة التي سيعمل بها الملك على مشارف ألفية جديدة أخذت تقترب مع الوقت.

مع أن الأردن وقف نسبياً في المعسكر المناهض للاتحاد السوفييتي، إلا أن آثاراً سلبية لحقت به مع انهيار المعسكر الشرقي، فالتوجه العالم نحو لبرلة الاقتصاد كان يضع الأردن بمواردها المحدودة في زاوية ضيقة، خاصة مع التزام الدولة لعقود من الزمن بتقديم الخدمات للمواطنين بأسلوب ريعي، وتحملها للتكلفة المالية من خلال الاقتراض المفرط، وهي المعادلة التي بات واضحاً أنها لا يمكن أن تستمر بعد سنة 1990، فعربياً، ضربت محنة الكويت عميقاً في معادلة مؤتمر القاهرة 1964 وفرغتها من محتواها، وأصبحت نظرية الأمن العربي لا تدور حول إسرائيل وحدها، بل أصبح العرب يخافون العرب أنفسهم، وعالمياً، لم يعد ثمة مبرر لاستمرار دولة الرفاه بوصفها خط الدفاع ضد الشيوعية، ولا أحد يمكنه أن يقبل هذه الطروحات، لا دول شقيقة ولا صديقة ولا شريكة.

معظم من يقرأون الجرائد الورقية من الجيل الذي يتذكر الأردن صباح ذلك اليوم من فبراير 1999، ويعرف أنها كانت بعيدة كثيراً عن عمان 1975 المرشحة الصاعدة لموقع سويسرا الشرق بعد الحرب الأهلية في لبنان، ويمكن أن يتجولوا في عمان اليوم، صحيح أنها بعيدة عن موقع سويسرا الشرق إلى حد بعيد، إلا أنها عاصمة تمكنت من معانقة الحداثة بصورة لم تتوفر إلا لدول الخليج العربي، وذلك على الرغم من التحديات الهائلة التي تتابعت بصورة متواصلة.

بعد أشهر قليلة من رحيل الملك الحسين وتسنم الملك عبد الله الثاني للعرش بدأت استحقاقات المستقبل الثقيلة التتابع على الأردن، فمع دخول الألفية الثالثة كان العالم يستقبل واقعاً جديداً على مستوى البنى الاجتماعية، الانترنت وفضائه المفتوح، والطموحات الكبيرة التي تعلقت به، حملت مخاطر جوهرية على مفهوم الدولة ككل، وبدأ الملك يتحدث عن عقد اجتماعي جديد يستطيع أن يستوعب هذه المرحلة، إلا أن الوضع السياسي لم يكن مهيئاً لتحمل المشروع، وبقي الملك يحاول المرة بعد الأخرى، أن يطرحه من جديد، فتحدث عن الثورة البيضاء، وكان الزعيم العربي الوحيد الذي تعامل مع الربيع العربي بشيء من الإيجابية على المستوى النظري، وصدرت الأوراق النقاشية وبعدها عملية مرهقة لتحديث المنظومة السياسية.

كنت مثل كثيرين، أميل للبحث في مسألة الصراع بين البيروقراطية الموروثة، والليبرالية المتوثبة، مع الضمور في التيارات اليسارية والقومية بما أدى إلى تداخلها لمجرد البقاء، وأعتبرها أسباباً غير مواتية لإنجاز المشروع الملكي للإصلاح، وهو ما تبين لي تمثيلاً للتعسف في الفهم والتقييم، فالخلاف بين الأطراف المختلفة أتى تعبيراً عن رؤية غير واضحة في ظل غبار الانفجار الكارثي في المنطقة مع سقوط بغداد في التاسع من أبريل 2003، البداية الفعلية للربيع العربي التي طرحت إشكالية عميقة، العمل على التغيير وإعادة هندسة البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المنطقة، والموقف الشعبي الذي يرى ذلك ضرورياً وحتمياً، ومن ثم سقوط المنطقة في الفوضى، للتباين بين الحتمي التصنيعي من خلال التدخل الخارجي الذي تبرره الغضبة الأمريكية بعد أحداث سبتمبر 1999، والحتمي الطبيعي الذي يقوم على استيعاب مرحلة الوعي والاعتناق للحداثة بصورة تدريجية بموازاة تغيرات المفاهيم والممارسات في الإدارة العامة على مستوى العالم.

كيف تمكن الأردن من أن يعبر هذه المرحلة وتحدياتها؟ أو مشكلاتها، مع أن الخطاب الملكي يسعى دائماً للتهدئة من خلال اللغة التلطيفية فيستخدم التحديات أينما يمكن أن تستخدم المشكلات، وتكون أكثر تعبيراً ودقة، ولكنها لا تحمل نفس التقدير للمسؤولية، وتعبر عن توصيف غير سياسي في أوقات الاضطراب.

لم يكن وجود الأردن بمعزل عن التهديد في تاريخه، ولكنه كان يشكل موضوعاً بالغ الأهمية في عصر الملك الحسين، أعني على المستوى الدولي، إلا أن الأمر تغير بصورة جذرية بعد الربيع العربي، فالأردن دولة ضمن دول أخرى، وبعد ثورة تونس كانت الأردن بين الدول المرشحة تالياً، إلا أن ذلك لم يحدث، وفعلياً لم تتمكن الحركة الاحتجاجية التي انطلقت من تصورات المماهاة بين حالة تونس ومصر من أن تجد لها مكاناً في الأردن، وتجاهلت أن الملك لم يتعامل حتى في أقصى الظروف ارتباكاً في الحرب على الإرهاب بعد تفجيرات عمان 2005 بالقبضة الأمنية الثقيلة، وأن سياسة الاحتواء والاستيعاب كانت تجري على الطريقة الخاصة التي أرساها الملك عبد الله الأول.

على المستوى الإقليمي، كان الملك يعايش أيضاً تفشياً للاستقطاب بين المحاور العربية، ويتحمل ضغوطاً كثيرة ويحاول أن يستثمر فرص التقارب، وأن يوظف مكانته وعلاقاته في واشنطن وغيرها من العواصم المؤثرة من أجل تجنيب المنطقة الاندفاع في الزوايا الحرجة، وليس سراً أن الملك عايش ظروفاً مرهقة نفسياً بصورة غير مسبوقة مع إدارة الرئيس دونالد ترامب الذي كان يتوقع أن يكون الأردن لقمة سائغة لصفقة القرن خاصة مع تحقيقه اختراقات مهمة في فترة ولايته العاصفة، ليستيقظ العالم على نتيجة تجاهل التحذيرات التي تحدث عنها الملك لأكثر من مرة، وكان تحذيره في زيارته الأخيرة للولايات المتحدة واضحاً بصورة غير مسبوقة.

لنعد إلى رئيس التحرير الدكتور خالد الشقران، والملف الذي يعده عن ذكرى الوفاء والبيعة، وأثق في زملائي في الرأي أنهم سينجزونه بصورة لائقة، ولكنها لن تكون كافية، فالوصول إلى هذه المحطة، وعمان بين العواصم العربية القليلة التي يمكن أن يتجول فيها الإنسان آمناً بعد منتصف الليل، والدينار الأردني ما زال يعبر عن اقتصاد صامدٍ على الرغم من التحديات الكثيرة، من الأمور التي لن تتضح إلا بعد سنوات عندما يكون وقت كافٍ قد مضى، ويبدأ البعض في كتابة مذكراتهم، ووقتها سيظهر الجانب الخفي والثمن الكبير الذي دفعه الملك خلال ربع قرن من أجل العبور بالأردن في وسط كل هذه الاضطرابات، وربما، سيكون كتاب جديد مثل 'فرصتنا الأخيرة' يروي أحداث السنوات الأخيرة فرصة للجميع ليعرفوا أن الأردن الذي كان الطفل المولود في ظروف صعبة، والمرشح دائماً لأن يكون الأكثر هشاشةً، تمكن، وعلى الرغم من الموارد المحدودة والظروف الصعبة والمطالب الكثيرة، من أن يصبح بالفعل دولةً مستقرةً وواعدةً.

الشاب الوسيم الذي رآه العالم يمشي بخطوات عسكرية واثقة، ولم يلفت انتباههم سوى وسامته في ذلك الوقت، أصبح في مقدمة الشخصيات العالمية التي تعمل بصورة جدية من أجل مستقبل مشترك أفضل للإنسانية بأسرها، والطفل الذي أراد والده أن يبعده عن التاريخ الثقيل وأن يحميه من ميراثه الصعب، تصدى بكل شجاعة وهدوء وبكثير من الصمت والترفع لاستحقاقات المستقبل الذي ما زال مفتوحاً، بفرصه وتحدياته، التزاماً بالأسلوب المهذب للملك عبد الله الثاني في توصيف معطيات العالم، وإصراره على أن يتحيز إلى الأمل والتفاؤل، وهذه مسألة من حقه، فالملك كما يقول سالتوف، تعامل مع أزمات كثيرة 'بدءاً من تداعيات هجمات 11 أيلول/سبتمبر إلى غزو أمريكا للعراق، ومن الإرهاب في عمّان والبروز اللاحق لتنظيم «الدولة الإسلامية» إلى التدفق الجماعي للاجئين السوريين، ومن الأمواج المحلية لـلربيع لعربي إلى صفقة القرن المخيفة لإدارة ترامب.' كل ذلك، ومعه أزمة الوباء، والحرب الجارية في غزة بكل ما تحمله من ترشيحات لتكون نقطة انعطاف للزمن العربي لا تقل عن نكبة فلسطين 1948، وجميعها خرجت بشرعية الحلم وأحقيتنا في استكماله وسط كوابيس المنطقة ورعبها المتنقل وفزعها المحتمل على الدوام.