قبل خمس سنوات، وبصفتها أول منطقة تجريبية في الصين لتحقيق الرخاء المشترك، تحملت مقاطعة تشجيانغ شرق الصين مسؤولية استكشاف مسارات جديدة يمكن الاستفادة منها على المستوى الوطني. وبعد خمس سنوات من التجربة، لم تعد حصيلة هذه المسيرة تقتصر على أرقام تعكس ارتفاع الدخل وتحسن الخدمات العامة وتقليص الفجوات بين المدن والأرياف، بل أصبحت تجسّد تحولاً أعمق في فلسفة التنمية نفسها. فجوهر الرخاء المشترك في الصين يتجه اليوم تدريجيًا من التركيز على الاستثمار في الأشياء إلى الاستثمار في الإنسان.
على مدى عقود، ارتبطت مسيرة التصنيع والتحديث في المقام الأول ببناء البنية التحتية وتطوير المناطق الصناعية وتوسيع شبكات النقل والطاقة. وقد أدى هذا النهج دورا محوريا في مراحل التنمية السابقة، إذ وفر الأساس المادي الذي استند إليه النمو الاقتصادي السريع. وليس من المبالغة القول إن جانبا مهما من الإنجازات التنموية التي حققتها الصين منذ إطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح يعود إلى الاستثمارات المستمرة في رأس المال المادي ومشروعات البنية التحتية.
غير أن الانتقال إلى مرحلة جديدة من التنمية يفرض تحديات مختلفة. فمع تراجع العوائد الهامشية للاستثمار التقليدي في رأس المال المادي، لم يعد توسيع حجم الاقتصاد وحده كافيا لتحقيق التنمية المنشودة. وأصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تمكين الإنسان من المشاركة بصورة أكبر في صنع الثروة والاستفادة من ثمارها؟ وهنا تبرز أهمية الاستثمار في الإنسان باعتباره المدخل الأساسي لتعزيز الرخاء المشترك.
وتجسد تجربة تشجيانغ خلال السنوات الخمس الماضية هذا التحول بوضوح. فمن تقليص الفجوة بين المناطق الحضرية والريفية، إلى توسيع قاعدة أصحاب الدخل المتوسط وتحسين أوضاع الفئات المنخفضة الدخل، ومن تعزيز تكافؤ الخدمات العامة إلى دعم فرص العمل العالية الجودة، ظلت السياسات المطبقة تركز في جوهرها على تنمية الإنسان وتمكينه.
فالتوزيع الأكثر توازنا للموارد التعليمية، وتحسين الخدمات الصحية على مستوى القواعد الشعبية، وتوسيع برامج التدريب المهني، وتعزيز خدمات رعاية المسنين والأطفال، ليست مجرد إجراءات اجتماعية منفصلة، بل تمثل استثمارا مباشرا في القدرات البشرية، بما يسهم في إطلاق طاقات المجتمع وتعزيز حيويته على المدى الطويل.
ويعكس هذا التحول فهما أكثر عمقا لمفهوم الرخاء المشترك. فالمقصود ليس إعادة توزيع الثروة بصورة ميكانيكية، ولا السعي إلى مساواة شكلية بين الجميع. وإذا كان التركيز في الماضي ينصب على كيفية توزيع «الكعكة» الاقتصادية بصورة أكثر إنصافا، فإن الاهتمام اليوم يتجه أيضا إلى تمكين عدد أكبر من الناس من المساهمة في صنع هذه الكعكة من الأساس.
وتزداد أهمية هذا التوجه في ظل الثورة التكنولوجية الجديدة والتطور السريع للاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والصناعات الخضراء. ففي هذه المرحلة، أصبحت المعرفة والمهارات والصحة والتعليم عوامل حاسمة في تحديد فرص الأفراد ومستقبل المجتمعات. ولهذا السبب برز مفهوم «الاستثمار في الإنسان» باعتباره أحد المرتكزات الأساسية للتنمية الصينية في المرحلة المقبلة.
ومنذ أن طُرح هذا المفهوم لأول مرة في تقرير عمل الحكومة لعام 2025، ثم جرى التأكيد على ضرورة الجمع بين الاستثمار في رأس المال المادي والاستثمار في الإنسان ضمن ترتيبات الخطة الخمسية الخامسة عشرة، بات واضحًا أن مسار التحديث الصيني يمنح قيمة أكبر لتنمية الإنسان باعتبارها ركيزة أساسية للتنمية المستدامة.
ولا يقتصر الاستثمار في الإنسان على زيادة الإنفاق الاجتماعي أو توسيع مظلة الدعم، بل ينطلق من رؤية أشمل تراعي احتياجات الفرد في مختلف مراحل حياته. فمن التعليم المبكر والتدريب المهني إلى ضمانات التوظيف والرعاية الصحية وخدمات رعاية المسنين ودعم الأسرة، يتمثل الهدف في بناء بيئة تنموية أكثر عدالة تتيح لكل فرد فرصة تحقيق تطوره عبر العمل والاجتهاد.
لقد أظهرت تجربة تشجيانغ أن الرخاء المشترك ليس مجرد هدف اقتصادي، بل هو مشروع تنموي متكامل يضع الإنسان في قلب عملية التنمية. فنجاحه لا يُقاس فقط بزيادة متوسط الدخل، وإنما أيضا بمدى تحسن شعور الناس بالأمان والاستقرار والرضا عن حياتهم.
ولا شك أن الطريق نحو الرخاء المشترك ما زال طويلا وأن تحديات مثل الفوارق التنموية والشيخوخة السكانية ستظل قائمة. غير أن أهمية الاستثمار في الإنسان تتعاظم في مثل هذه الظروف تحديدا لأن الإنسان يبقى في الوقت نفسه هدف التنمية ومحركها الأساسي، والمستفيد الأول منها وصانعها الفعلي.
وبعد خمسة سنوات من انطلاق هذه التجربة الرائدة، تبدو إحدى أهم خلاصاتها واضحة: فالتحديث لا يعني فقط بناء المزيد من المصانع والطرق والمجمعات الصناعية، بل يعني أيضًا بناء إنسان أكثر قدرة على الإبداع وأكثر امتلاكًا للفرص وأكثر قدرة على تحقيق تطلعاته. وعندما يصبح الإنسان محور السياسات التنموية وغايتها في آن واحد، يقترب الرخاء المشترك من التحول من هدف مستقبلي إلى واقع ملموس.