منذُ خمسة وعشرين عاماً، يمضي جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين - حفظه الله - كفارس هاشمي، يسير على خطى الآباء والأجداد، نتفيأ بظلاله عبق تاريخ زاخر بالعطاء والتضحية، ونناظر بعينيه مستقبلاً مشرقاً للوطن وأبنائه، حتى غدت مملكتنا الحبيبة، واحة أمن واستقرار، شكلت من خلاله مديرية الأمن العام ركيزة أساسية في تعزيز الأمن، ودعم مسيرة التنمية.
فمنذ تولي جلالته سلطاته الدستورية، حرص على دعم مديرية الأمن العام، وتمكينها من أداء دورها كمؤسسة وطنية عريقة، تأسست منذ تأسيس الوطن، ورائدة تواكب متغيرات العصر، وضروراته المجتمعية، وتحتضن مسيرة التنمية، بخطى ثابتة ونهج إداري حصيف، في الحفاظ على الأرواح والأعراض والممتلكات، وتطبيق سيادة القانون بعدالة ونزاهة.
وكانت أولى التوجيهات الملكية الحكيمة، بضرورة تعزيز دور الأسرة، وتوفير سبل الحماية والرعاية لأفرادها، ضمن أسس قانونية، تتماشى مع المجتمع الأردني، فشهد العام 1999م استحداث إدارة حماية الأسرة، التي انتشرت أقسامها في محافظات المملكة، وتحدد اختصاصها بالتحقيق في الجرائم الواقعة على النساء والأطفال، وإجراء الدراسات والبحوث المتعلقة برعاية الأسرة وحمايتها.
ولاحقاً تم استحداث إدارة شرطة الأحداث، لتقديم أفضل الخدمات للأحداث الجانحين والأحداث المعرضين لخطر الانحراف، بتطبيق مبادئ العدالة الوقائية والإصلاحية، والتي تم ضمها لإدارة حماية الأسرة.
كما كان القضاء الشرطي، من أولى التشكيلات التي نالت رعاية وعناية جلالته، بدءاً من العام 2001م، إذ تم إضافة قاضٍ نظامي إلى الهيئات القضائية في الأمن العام، ثم تم إنشاء مكتب المظالم وحقوق الإنسان عام 2005م، والذي تم تعديل اسمه لاحقاً إلى (مكتب الشفافية وحقوق الإنسان)، والذي تبع لقضاء الأمن العام.
كما اهتم جلالته، بمنع الجريمة والتصدي لها، فجاء إنشاء إدارة البحث الجنائي في العام 2004م، كإدارة مستقلة للبحث الجنائي، لتشرف على أقسام البحث الجنائي في المملكة، ضمن نهج شمولي في محاربة الجريمة، وتبعَ ذلك بسنوات قليلة، إنشاء وحدة الجرائم الإلكترونية وقسم حماية حقوق الملكية الفكرية، وتم استحداث وحدة مكافحة الاتجار بالبشر، والفريق الخاص بالعمليات الأمنية المتخصصة، وقسم أمن وحماية الاستثمار، الهادف لتوفير بيئة استثمارية آمنة على أرض المملكة، ولتتبع جميعها لإدارة البحث الجنائي.
وفي ذات المجال، استمرت إدارة المختبرات والأدلة الجرمية، بمواكبة التطور، وتم إدخال الأجهزة الحديثة والمتطورة، كأجهزة الفحص والتحليل، والمواد الكيماوية والعقاقير المخدرة والمتفجرات، وإنشاء قاعدة بيانات للجينات، وفحص الأسلحة والوثائق والمستندات وإنشاء محطة جنائية بمواصفات عالية، لتحليل الدليل الرقمي والسحابات التخزينية الإلكترونية، وإدخال نظام إعادة بناء مسرح الجريمة، وتم تتويج هذا التطور بافتتاح المبنى الجديد للإدارة عام 2013 برعاية ملكية سامية، تشرفت بها مديرية الأمن العام.
أما التغيير التنظيمي الأكبر على شكل العمل الأمني، فقد جاء بالعام 2005 م، وتمثل بتقسيم المملكة إلى أقاليم أمنية، وبما يحسّن من جودة الخدمات الأمنية المقدمة، بعيداً عن المركزية في الإجراء أو القرار. وكانت الأقاليم التي ترأس كلاً منها قائد إقليم يشرف على عدد من مديريات الشرطة، وهي: قيادة أمن إقليم الوسط، وأمن إقليم العاصمة، وأمن إقليم الشمال، وأمن إقليم الجنوب.
وفي ذات العام، افتتح جلالة الملك عبد الله الثاني، مبنى قيادة قوّات البادية الملكية في منطقة المقابلين، والتي تم لاحقاً إعادة هيكلتها وتطوير أدائها، بما ينسجم مع تطور المجتمعات، كما تمت إعادة تسميتها لتصبح قيادة شرطة البادية الملكية.
كما تم استحداث نظام المحطات الأمنية في العام 2005م، التي انتشرت على الطرق الخارجية بهدف نشر الأمن والطمأنينة، وتقديم الخدمات والمساعدات الإنسانية، وخدمـــــة الطوارئ، وتم تطويرها لاحقاً إلى محطات أمنية متكاملة، تضم خدمات الأمن والمرور والحماية المدنية مثل تقديم الإسعافات الأولية والإنقاذ والمساعدة.
وفي العام 2006م، تم استحداث مركز الدراسات الاستراتيجية الأمنية، والذي يُعد تنظيماً أكاديمياً مستقلاً، يُعنى بالبحث العلمي الأمني على المستوى الوطني، وربطه بمستجدات المعارف الاستراتيجية والأمنية والإقليمية والدولية، والذي أصبح الآن تحت مسمى إدارة الدراسات الاستراتيجية.
ثم جاء في العام 2006م، إنشاء الإدارة الملكية لحماية البيئة، التي مثلت تطوراً كبيراً في مستوى الحفاظ على البيئة والطبيعة، تنفيذاً للتوجيهات الملكية السامية.
ولرفع مستوى منتسبي الجهاز وصقل مهاراتهم، جرى في العام م،2007 افتتاح مدينة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين التدريبية في الموقر، والتي تعد صرحاً تدريبياً ضخماً، يضم ثلاثة معاهد تدريبية، وميادين متطورة تحاكي الاحتياجات التدريبية المتجددة.
أما في جانب الإعلام الأمني، والتواصل المجتمعي، فقد شهد العام 2006م، إنشاء أول قسم للشرطة المجتمعية في المملكة، تبعه أقسام غطّت أنحاء المملكة كافة، وتم ربطها ضمن مديرية الإعلام والشرطة المجتمعية، التي حظيت بدعم ملكي موصول، ما مكنها من أداء ريادي وضمن شراكة حقيقية راسخة مع وسائل الإعلام والمواطنين ومؤسسات المجتمع المدني، ليشهد العام 2007م، وبرعاية ملكية سامية، انطلاق إذاعة الأمن العام، لتكون الأولى من نوعها على مستوى العالم، وهدفت لتكون عنواناً للتشاركية بين رجل الأمن العام والمجتمع، كما مضت مديرية الأمن العام في إيلاء المتقاعدين العسكريين جل الرعاية والاهتمام وتقديم الخدمات لهم من خلال مكاتب ارتباط المتقاعدين التي تبعت بداية لمديرية الإعلام والشرطة المجتمعية، وليتم فصلها لاحقاً ضمن إدارة مستقلة تُعنى بشؤون المتقاعدين في الأمن العام.
وفي عام 2008م، جاءت التوجيهات الملكية الحكيمة، بإعادة تشكيل قوات الدرك، التي سجلت قفزات نوعية في العمل الأمني، ومضت بعزم، لترسيخ الأمن وتعزيز سيادة القانون، والحفاظ على أمن الأردن واستقراره، واشتملت قوات الدرك على مراكز تدريب محلية ودولية، ووحدات أمنية متخصصة في العمل الأمني النوعي، وبقدرة فائقة على التعامل مع الفعاليات الشعبية والجماهيرية، ومع الأحداث الأمنية الكبرى، ووحدة أمن الملاعب التي كانت الوحدة الأولى من نوعها في العالم وساهمت بتوفير الأمن في البطولات المحلية، والبطولات الدولية على تراب الوطن وخارجه وكان آخرها في كأس العالم بدولة قطر الشقيقة.
وانطلاقاً من اهتمام جلالة الملك عبدالله الثاني الكبير بأمن المواطنين وسلامتهم وتوفير أسباب الحماية المدنية لهم، فقد أولى جلالته جل عنايته لتطوير الدفاع المدني، فتم استحداث عدد كبير من مديريات ومراكز الدفاع المدني، وتشكيل فرق للتعامل مع المواد الخطرة لمكافحة الحوادث الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية، وفريق البحث والإنقاذ الدولي، وأكاديمية الأمير الحسين بن عبدالله للحماية المدنية، وكلية الدفاع المدني، وتم إمداد الدفاع المدني بآليات مجنزرة قادرة على المسير وأداء مهام الإنقاذ والإسعاف في مختلف الظروف، وتم توسيع واستحداث أسطول ضخم من آليات الإسعاف والإنقاذ والإطفاء.
فيما شهد عام 2009م، استحداث مديرية العمليات والسيطرة التي ضمت أحدث الأنظمة التكنولوجية الحديثة والتي رفعت بشكل حاسم شكل الاستجابة الأمنية وأثرها وحسّنت من كفاءة الخدمات المقدمة للمواطن وعلى مدار الساعة من قبل الأمن العام أو حتى من باقي مؤسسات الدولة، من خلال رقم الطوارئ الموحد (911).
وتم تطوير قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في الأمن العام، للحفاظ على سلاسة التنسيق وسرعته، وأمن المعلومات التي تدفقت، وتحديث وتوسيع أنظمة الربط الإلكتروني عبر أنظمة المايكرويف، والألياف الضوئية، وأنظمة التراسل والسيطرة والربط الإلكتروني بالمراكز الحدودية والمراكز الأمنية والربط بوزارة العدل والمحاكم والمدعين العامين، ووزارات الدولة والمؤسسات والهيئات الحكومية منها والخاصة لتبادل البيانات والخدمات، ومشروع صفارات الإنذار ونظام المراقبة عبر شبكة كاميرات تغطي المملكة، إذ تم ربطها مع مديرية العمليات والسيطرة، واستكمالاً لهذا التحديث التقني الكبير، فقد انتهت المديرية مؤخراً من تجهيز مشروع نظام تحليل البيانات الضخمة (BIG DATA).
وفي العام 2013م، ازدانت العاصمة عمان، بافتتاح صرح أمني وطني جديد يزين جمالها، إذ كان افتتاح جلالة الملك عبد الله الثاني، القائد الأعلى للقوّات المسلّحة لمجمع مباني مديرية الأمن العام في موقعه الحالي، الكائن في منطقة عميش/ المقابلين.
وأصبح الأمن العام، الجهاز الأمني الأكثر مساهمة بقوّات حفظ السلام ذات الطابع الأمني في مناطق الصراع في العالم، تحقيقاً للرسالة الأردنية الهاشمية المستندة لمبادئ العروبة والدين الحنيف في حقن الدماء، وإغاثة المضطر والملهوف.
أما في مجال الإصلاح والتأهيل، فقد تم استحداث عدد من مراكز الإصلاح والتأهيل ومركز معالجة وتأهيل النزلاء المدمنين، إضافة إلى تطوير (14) مركز إصلاح وتأهيل وبشكل يتوافق والمعايير الدولية، وتم استحداث نظام المحاكمات عن بعد بين مراكز الإصلاح والتأهيل والمحاكم، وتطوير المشاغل الحرفية، وإنشاء معهد تدريب، وتطوير مراكز الإصلاح والتأهيل.
وتم رفد إدارة مكافحة المخدرات، بعدد من الأنظمة الإلكترونية المتطورة، وأحدث المعدات والأسلحة والآليات، وتم استحداث عدد من الأقسام المتخصصة، ومركزين لعلاج الإدمان، ومراكز أخرى للعلاج طور الإنشاء.
وتنفيذاً للتوجيهات الملكية السامية بضرورة الحد من حوادث السير، وآثارها وخسائرها ونتائجها على المجتمع، وتوفير البيئة المرورية الآمنة على الطرقات، فقد حرصت مديرية الأمن العام على تطوير إجراءاتها لحماية المجتمع، فانخفضت الإصابات الناتجة عن حوادث السير من (18842) إصابة و(686) وفاة في العام 2000م إلى (17096) إصابة و(562) وفاة في العام 2022م، رغم الزيادة المضطردة في عدد السكان إلى أكثر من أربعة أضعاف، وكان ذلك بفضل التوجيهات الملكية المستمرة بهذا الاتجاه، ما أدى إلى استحداث العديد من الأنظمة المرورية والتوسع بأقسام السير في محافظات المملكة كافة.
وشهدت إدارة ترخيص السواقين والمركبات، تطويراً شمل جميع فروع الترخيص في المملكة وتم التوسع في هذه الأقسام وبطبيعة الخدمات التي تقدمها، وتم تنفيذ برنامج مشروع الحكومة الإلكترونية ونظام اللوحات الجديدة وتم حوسبة الفحص النظري في جميع أقسام الترخيص واستحداث الشباك الواحد (الموظف الشامل).
كما تم تجهيز أقسام ترخيص متنقل في مختلف محافظات المملكة، وخدمة الترخيص من مركبتك (Driver Thru) وأصبحت جميع معاملات الترخيص الإلكترونية دون أوراق، وتم إطلاق مشروع امتحان الفحص النظري للصم وافتتاح مبنى الخدمات النموذجي لخدمة ذوي الإعاقة وحازت الإدارة على عديد الجوائز والشهادات التقديرية المحلية والدولية.
وتزامناً مع مرور المئوية الأولى من عمر الدولة، ومديرية الأمن العام، واصل جلالة الملك عبدالله الثاني، جهوده لتعزيز أمن الوطن، فأصدر جلالته توجيهاته في العام م، بدمج قوات الدرك ومديرية الدفاع المدني ضمن مديرية الأمن العام، بخطوة تاريخية، ليستقبل الأردن العام 2020، بجهاز أمني أكثر قوة في مواجهة تحديات كان من أبرزها جائحة «كورونا»، وليثبت الأمن العام ارتفاعاً بمستويات الاحتراف الأمني والتكامل والتنسيق بفضل عملية الدمج التي حظيت بدعم ملكي موصول، فتحسنت نوعية الخدمات الشاملة المقدمة للمواطنين من خلال دمج الكثير من الوحدات ذات المهام المتشابهة، والتوفير في البنى التحتية الإدارية والتقنية، ونتيجة لهذه الإجراءات الإدارية حققت المديرية وفراً مالياً قُدِّر بنحو 180 مليون دينار في عامها الأول، كما نفّذت المديرية خطة لترشيد المباني، وفاض عن احتياجها 29 مبنى تُقَدَّر قيمتها الرأسمالية بـ 52 مليون دينار، قدّمتها المديرية للحكومة ولتنمية المجتمع المحلي، وحُوِّلَ بعضها إلى مدارس.
ثم كانت التوجيهات الملكية الحكيمة، بضرورة البناء على نتائج الدمج وتطويرها، فوضعت المديرية خططها الطموحة لنشر الأمن والطمأنينة في المجتمع من خلال استراتيجيات أمنية وشرطية، تعتمد الشراكة مع المؤسسات الوطنية، والتكامل معها ضمن الاختصاصات المتعددة الموجهة لخدمة المواطنين، والتي بدأ المواطنون يلمسون آثارها في مناحي الحياة المختلفة.
خمسة وعشرون عاماً من البذل والعطاء، نستمد العزم من قائدنا الأعلى، جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، ليبقى هذا الوطن، قلعة هاشمية شامخة، عصية على كل التحديات، يزهو بهمة أبنائه من منتسبي القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الباسلة، الذين كانوا وما زالوا وسيبقون على الدوام، محط ثقة القائد ومحبته، لا تفتر لهم همة، ولا يثنى لهم ساعد، وهم يؤدون واجباتهم ومهامهم بكل حرفية ومهارة وكفاءة واقتدار.