كتاب

ولادة ومصير

هم من يأتون إلى الدنيا لمواجهة مصير وسط الدمار والقصف والعدوان ودون رحمة وإيواء وعناية ورعاية مناسبة؛ هم أطفال غزة والتي قالت مسؤولة الاتصالات بمنظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسيف» تيس انجرام، إن ما يقرب من 20 ألف طفل ولدوا منذ بدء الحرب في غزة، حيث يولد طفل كل 10 دقائق فى هذه الحرب المروعة، وبينت كذلك أن الأطفال الذين ولدوا في غزة بعد بدء الحرب ولدوا فى الجحيم، كما أن وضع النساء الحوامل والأطفال حديثو الولادة في غزة لا يصدق ويتطلب إجراءات مكثفة وفورية.

ووفقا لها فإن الوضع في قطاع غزة محفوف بالمخاطر بالفعل نظرا لوفيات الرضع والأمهات وانهيار نظام الرعاية الصحية، حيث أن الأمهات يواجهن تحديات لا يمكن تصورها في الحصول على الرعاية الطبية الكافية والتغذية والحماية قبل الولادة وأثنائها وبعدها، كما أنه وفي ظل ظروف الاكتظاظ والموارد المحدودة يضطر الموظفين إلى إخراج الأمهات من المستشفى في غضون ثلاث ساعات من العملية القيصرية.

لعل صدمة الحرب تؤثر أيضا بشكل مباشر على الأطفال حديثي الولادة، مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات نقص التغذية ومشاكل النمو وغيرها من المضاعفات الصحية ومعاناة النساء الحوامل والمرضعات والرضع ظروفا غير إنسانية في الملاجئ المؤقتة وسوء التغذية والمياه غير الآمنة، بما يعرض ما يقرب من 135 ألف طفل دون سن الثانية لخطر سوء التغذية الحاد.

لا بد من الإشارة إلى أن الأطفال في غزة يشكلون نحو نصف السكان واستشهد منهم بما يعادل 40 % من الضحايا وأصبح الآلاف يتامى نتيجةً لوفاة والديهم جراء القصف، ويتكدس من الأطفال في ملاجئ مؤقتة، وفي مدارس تديرها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، بعد نزوحهم من منازلهم، ولا يملكون سوى القليل من الطعام والمياه النظيفة، والعديد من المشاكل النفسية.

هذا من جانب ونتيجة للعدوان والتصعيد، فقد برزت وزادت مشكلة الأيتام ومواجهة المصير الصعب ما بين معاناة فقدان ذويهم، والظروف القاسية للعيش في ظل الحرب على القطاع ومنذ بداية الحرب الإسرائيلية على غزة فقدَ آلاف الأطفال إما الأب وإما الأم وإما كليهما جرّاء عمليات القصف الإسرائيلية.

وفقا لإحصائيات من دراسة لدار اليتيم الفلسطيني عام 2022، فقد بلغ عدد الأيتام في غزة 26 ألف يتيم. ومن المتوقع أن تكون حصيلة أيتام قطاع غزة نتيجة هذا العدوان الأخير تفوق عدد أيتام الاعتداءات السابقة.

خلال زيارة جلالة الملك عبد الله الثاني إلى صرح كيغالي التذكاري للإبادة الجماعية في العاصمة الرواندية بداية الأسبوع الثاني من عام 2024، بين جلالته أن نحو 30 ألفا في قطاع غزة أصبحوا في عداد الشهداء والمفقودين خلال الأشهر الثلاثة الماضية، والغالبية العظمى منهم، أي حوالي 70 بالمئة من النساء والأطفال، لقد تجاوز عدد الضحايا الأطفال في غزة عدد الضحايا من الأطفال في كل الصراعات والحروب التي شهدها العالم خلال العام الماضي مجتمعة، وفقد العديد من الأطفال الناجين أحد والديهم أو كلاهما وثبت جلالته عبارته: «أمامنا جيل كامل من الأيتام».

تم قتل براءة الأطفال في غزة، فكيف سوف تكون ملامح من سيكبرون فيما بعد وماذا سوف يحملون في ذاكرتهم جراء ما حدث وكيف سوف يواجهون الواقع؟ ثمة العديد من الأسئلة التي لا بد من الإجابة عنها، مرة للعلاج، وأخرى للتأهيل، وثالثة لتحمل مسؤولية الأجيال القادمة من رحم المعاناة والمواجهة والقهر والظلم والقتل والتشريد والإبادة والذكريات المؤلمة.

كفالة الأيتام والأطفال حقيقة ماثلة أمام الجميع، فقد كانت ولادة ومصيرا وكانت وما تزال قضية وحياة تستحق النضال لأجلها، أمام تلك الحقيقة: ماذا سنفعل؟

fawazyan@hotmail.co.uk