بعد أن استمع العالم بأسره للمرافعات المقدمة من قبل جمهورية جنوب أفريقيا، ودولة الكيان الصهيوني المحتل «إسرائيل» يومي الخميس والجمعة الماضيين، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية بالتحليلات القانونية و/أو السياسية الهادفة الى ترجيح كفة على الأخرى؛ في حين أن الواقع فقط هو من سيفرض نفسه في قادم الأيام عند قيام المحكمة بإعلان حكمها النهائي على الملأ.
تتباين التحليلات وتتناقض بالاعتماد على الأُسس التي اتبعها الخبراء من كلا الجانبين للوصول الى نتيجته. ففي حين يرى خبير القانون الدولي الدكتور أنيس القاسم بأن مرافعة «إسرائيل» «لا تساوي الحبر الذي كتبت به»، ويصفها الأستاذ الدكتور كامل السعيد «بالمهزلة»؛ يتهافت زبانية «إسرائيل» في العالم الغربي و«تل أبيب» على التفاخر بقدرتها على إعادة طرح مزاعمهم من حقيقة الجرائم المدعى بها على أيدي المقاومة؛ بينما يستندون في تفاؤلهم الى الضغوطات السياسية التي قد تمارس على القضاة سرا من قبل حكومات الدول التي ينتمون اليها ومن ?همهم، الولايات المتحدة، ألمانيا، أستراليا، الهند، فرنسا، اليابان وأوغندا.
من حيث قناعتي الشخصية، وبعد الإشادة بمدى فصاحة وتمكن المرافعة المقدمة من قبل جنوب أفريقيا- وهو الأمر الذي أجمع عليه أولئك الذين قاموا بنقضها بشكل موضوعي من حيث القانون ومن كلا الطرفين. فإن التحليل الذي أطرحه يعتمد الإقرار بالمكتسب الذي تحقق فعلا لصالح فلسطين بصرف النظر عن القرار المنتظر، ويدعو الى ضرورة بدء الإعداد للخطوات التالية لصدور قرار المحكمة منذ الآن. وعليه يستعرض هذا المقال ابتداء نقاط الضعف والقوة التي وردت ضمن مرافعة «إسرائيل» من النواحي القانونية البحتة، قبل أن يختم بتبرير توصياتي أعلاه، وذلك ع?ى الشكل التالي:
أولاً: من حيث مرافعة فريق الدفاع:
نجد أن كافة المرافعات، باستثناء تلك الواردة على لسان رئيس الفريق مالكولم شو، كانت هزيلة تخاطب عاطفة الجمهور المتابع والرأي العام الغربي تحديدا، أكثر من مخاطبتها للمحكمة بحيثيات قانونية وركائز واقعية يجوز الاعتماد عليها لغايات الإثبات. أما فيما يتعلق بمرافعة مالكولم شو، فإن أبرز ما ورد على لسانه يتلخص بما يلي:
1. التركيز على الدفوع الشكلية من حيث القانون والتطبيق؛ وذلك بأن حاول نفي اختصاص المحكمة لنظر الدعوى/الطلب على زعم من القول بأنه كان يتوجب على جنوب أفريقيا تبادل المخاطبات المسبقة مع «إسرائيل» وذلك لإثبات وجود «نزاع» اساساً قبل اللجوء للمحكمة؛ وبغير ذلك يتوجب رد الدعوى على اعتبار أنها «سابقة لأوانها'! كما حاول بالتناوب نفي صلاحية المحكمة لنظر الدعوى- وبصرف النظر عما يشهده العالم من جرائم قد ترقى لجرائم حرب أو ضد الإنسانية- وذلك لزعم فشل جنوب أفريقيا بإثبات نية الإبادة الجماعية باعتبارها الجريمة الوحيدة حصرا?التي تدخل باختصاص المحكمة دون غيرها.
وبتقييم ما سبق، أرى أنه قد أساء لسمعته كأفضل استاذ وخبير قانوني على مستوى العالم، وذلك لأن إثبات «النزاع» كشرط لقبول الدعوى أمام العدل الدولية ليس محصورا بتبادل المخاطبات بل لا أدل على وجوده من قيام جنوب أفريقيا بقيد شكوى جزائية (سبقت دعوى العدل الدولية) ضد كافة قيادات «إسرائيل» ذويي العلاقة، متهمة إياهم بالإبادة الجماعية من ضمن جرائم أخرى. كما ولا يستوي نفيه لثبوت القصد الجرمي بالإبادة الجماعية في ضوء كافة التصريحات الرسمية التي أوردتها جنوب أفريقيا على لسان قيادات «إسرائيل»، والتي أكدتها تباعا أعمال الإب?دة التي نشهدها حتى اليوم دون رادع!
2. التركيز على دفع موضوعي متعلق «بعدم جواز الإضرار بإسرائيل في حال إقرار الطلب المستعجل'؛ وهو دفع صحيح من حيث المبدأ، ويتمثل بعدم جواز الحكم بالطلب المستعجل، أيما كان، إذا ثبت للمحكمة إمكانية الإضرار بمصالح المدعى عليه دون ضمانة. وعلى الرغم من أن مالكولم شو استند الى أن «حماس» ليست طرفا في اتفاقية منع الإبادة الجماعية وبأنه لا يوجد ما يلزمها بالانصياع لقرار المحكمة في حال أن أمر بوقف أعمال «الحرب'؛ إلا أن مشكلة هذا الطرح أنه يرتكز على زعم «إسرائيل» لحق الدفاع عن النفس- وهو الأمر الذي كانت ذات المحكمة قد أن?رته صراحة في الرأي الاستشاري الصادر عنها بخصوص جدار الفصل العنصري عام 2004. أي أنني أكرر ما أعلنته سابقا من حيث اعتبار هذه الدعوى/الطلب الأثقل على كاهل المحكمة في تاريخها- وهو الأمر الذي يُخشى معه اضطرار المحكمة الى «تفصيل» قرار دون الطموح يتضمن في مفهومه- في أسوأ أحواله - وقف أعمال العدوان التي تتم على المدنيين من أبناء غزة دون توضيح!
ثانياً: من حيث التوصيات:
شخصيا اميل الى التفاؤل من حيث أن معيار النجاح يقاس بالهدف أو التوقعات المسبقة. وبالتالي، فإن كنا نتأمل من هذه المحاكمة ان نتمكن بنتيجتها من أن نؤدي صلاة الجمعة في الأشهر القليلة القادمة في القدس الشريف فإن اي نتيجة واقعية قد تصدر عن هذه المحاكمة في افضل افضل حالاتها ستكون مخيبة للآمال. إن مجرد التمكن من طرح القضية الفلسطينية للمرة الأولى بالتاريخ على الجمهور العالمي بهذا الزخم من خلال العدل الدولية، لهو خطوة جوهرية بالاتجاه الصحيح. إن القانون الدولي–شأنه شأن اي قانون بلا ضابطة عدلية- لن يكفل لفلسطين بحد ذا?ه التقدم قيد انملة في تحصيل حقوقها. وعليه، وعلى افتراض صحة هذه النظرية في اعتماد الرأي العام العالمي/الغربي تحديدا كضابطة عدلية للقانون الدولي فإن اي حكم ينكر ما يشهده العالم بأسره من جرائم لا ينكرها الأعمى لن يمر مرور الكرام. بل أنه سيعتبر فضيحة لا تقل فداحة عما يشهده العالم من جرائم إبادة جماعية كاملة الأركان، دون حسيب.
لقد أعادت هذه المحاكمة الصحوة لشعوب العالم الحر وفضحت قادته ممن يزعمون الحرص على الإنسان وصون كرامته؛ كما نشرت عطر الشهداء بين أروقة المحكمة وعلى مسامع قضاتها مذكرة بعدالة القضية الفلسطينية وصمود مقاومتها «الى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا». ولكل ما سبق، وبينما نترقب القرار في الأيام المعدودة القادمة، تدعو هذه الدراسة الى البناء على ما تم من إنجاز والبدء بالإعداد لما بعد المحاكمة وذلك من خلال الحشد لتقديم طلبات التدخل الى جنب جمهورية جنوب أفريقيا في حربها العادلة نحو الحرية دون كلل.
خبير في القانون الدولي