منذ بداية الحرب الصهيونية الغاشمة على غزة، كان التحذير من خطورة انتشار الحرب إقليمياً، وما سيترتب على ذلك من نتائج لا يمكن توقعها أو حصرها، وهو ما شكل حالة من القلق لدى دول المنطقة ودوائر صناعة القرار العالمي، ودفع العديد من هذه الدول للتحدث بشكل علني وواضح عن قلقها هذا.
بعد مرور ما يزيد عن 93 يوماً، لا يبدو أن الحرب تمددت إقليمياً بالصورة المتوقعة، ولكن ذلك لا يعني بأي شكل من الأشكال أنها لم تصبح حرباً إقليمية، فالشكل الذي اقترحته إسرائيل لتمدد الحرب، أو بعض الأطراف الإقليمية زاد من حالة عدم استقرار الإقليم وجعله يقترب أكثر من حافة الهاوية.
لقد استطاعت إسرائيل أن تمدد حربها إلى دول إقليمية عبر ذراعها الاستخباراتي، فاغتالت رضا الموسوي في سورية، ومن بعدها قامت باغتيال صالح العاروري في حضن حزب الله، في الضاحية الجنوبية في بيروت، ويبدو أنها هي التي نفذت عملية حرق 16 سفينة تابعة للحرس الثوري الإيراني في جزيرة قشم التي تقع جنوب إيران.
وفي ذات الوقت فإن الدولة الصهيونية استطاعت أن تخوض حرباً تقليدية على ثلاث محاور في وقت واحد، فبالإضافة لحربها على غزة، فإنها تخوض حرباً أقل صخباً إعلامياً في الضفة الغربية، وحرباً متقطعة مع حزب الله على الحدود الجنوبية للبنان وعلى الجانب الآخر، فإن قوة الحوثيين في اليمن قررت تقديم استعراضات سياسية عسكرية عبر خطف السفن واستهدافها في مضيق باب المندب، وتوجيه صواريخ بلا قدرة تدميرية على أهداف غير واضحة، وهي مشاغبة إيرانية بنكهة ملتبسة، فهي لا تريد أن تخاطر بمشروعها اللبناني ولا تستطيع الاستفادة من تواجدها في سورية، وغير قادرة على تفريغ العراق من متشيعيها، فقررت الدفع بالحوثيين في أتون المعركة، فإيران تفضل خوض المعارك غير المصيرية بحلفاء مشروعها وليس بأبناء المشروع الفارسي.
إذن، ما كنا نخشاه من اتساع رقعة الصراع والحرب قد حدث فعلاً، وشمل المنطقة بأسرها، وجميعنا بتنا نعاني بشكل أو بآخر من اتساع رقعة هذه الحرب، واصبحت حالة اللاستقرار تعم المنطقة، وهي لحظة تجعل جميع من هم داخل دائرة الصراع مهددين بانفجار غير متوقع.
فما الذي يجب أن نتوقعه أو نتحضر له في الفترة القادمة؟
بداية يجب أن نعيد تقييم الحرب الصهيونية الغاشمة على غزة، وأن ندرك أن الحرب ما زال أمامها أشهر عدة، وهو ما يعني أن حالة اللاستقرار ستتعمق، وستصيب عدة دول كانت تعتقد أنها بمنأى عن ذلك.
كما أننا يجب أن نتجهز لما هو غير متوقع، بمعنى أن تقع حرب إقليمية بالصورة العسكرية بسبب خطأ بالتقدير من أحد الأطراف في المعادلة ودون تخطيط مسبق أو دون أن تكون الخطوة المؤدية لهذه الحرب مدروسة من الطرف الذي قام بها.
توقع أن إسرائيل قادرة على استهداف واغتيال قيادات فلسطينية وقيادات من حماس وقيادات إيرانية في أي مكان في المنطقة وخارجها، وبالتالي فلا مكان آمناً للشخصيات التي وضعت على قائمة الاغتيال الإسرائيلية، وهو ما يجب أن يقلق الدول المضيفة لهذه القيادات، خصوصاً وأن إسرائيل لا تعتقد أن الولايات المتحدة ستعاقبها على اقترافها الاغتيال في أية دولة، وإن كانت ستغضب واشنطن ولكنها ستهدأ بعد ذلك.
كلما مر الوقت على الحرب الصهيونية الغاشمة على غزة لا يبدو أن الحرب تضع أوزارها بل تنذر ببداية جديدة لحرب أكثر اتساعاً وهمجية، ولا يبدو أن هناك سقفاً زمنياً لهذه الحرب، كما لا يوجد حداً جغرافياً واضحاً لها.
المنطقة دخلت حرباً إقليمية، ولكنها قد تجد نفسها بحرب عسكرية لم تتوقعها فعلاً، فالتحذير من حرب إقليمية منذ تسعين يوماً كان يبدو أنه تحذير من اللامتوقع، أو من اللاواقعي، ولكنه اليوم يبدو، بعد استحضار كوابيس المنطقة، أنه صار تحذيراً من لحظة مجنونة تبدو أكثر واقعية وأكثر رعباً.. فلنستعد.