عملية أمنية في الرويشد لاحتواء توابع الضربة العسكرية وراء الحدود.. الحرب على المخدرات مستمرة
للأمن منطقه الذي يختلف بين التهديدات الخارجية والمخاطر الداخلية، ويحدث أحياناً أن تتداخل الحسابات بصورة تستدعي تكثيف العمل وتصعيد المواجهة، ومن أهم الفوارق الأساسية بين العمل العسكري الذي يتعامل مع التهديدات الخارجية، والتدخل الأمني الذي يركز على المخاطر الداخلية، هو فضاء العمليات في المرتبة الأولى، فالعسكريون يستخدمون القوة الغاشمة واستراتيجيات الاقتلاع، أما الأمن ولأنه يعمل بين المواطنين والسكان، فيميل إلى اتخاذ آليات تدخل نوعية، ومهما تكن من اعتبارات، فإن التصعيد في التدخل الأمني، يعني أن مشكلة المخدرات تجاوز مجرد الخطر الذي يمكن احتسابه والتدرج في احتوائه، لتصبح تهديداً صريحاً ومباشراً، يجب تحييده في الحد الأدنى، والقضاء عليه في المدى الأبعد من الزمن والأوسع من المكان.
العملية النوعية التي نفذها جهاز الأمن العام في منطقة الرويشد أتت بمنطق عسكري في التعامل مع عصابات تهريب المخدرات، وحافظت على الهامش الأمني الذي يتوجب حضوره لدى التعامل مع التجمعات السكانية، ولذلك سبقت العملية الموسعة تحقيقات استخباراتية تذهب بهامش الخطأ في التعامل مع العصابات إلى حده الأدنى أو الصفر تقريباً.
للقصة خلفياتها التي تستحق السرد بترتيب صحيح وبصورة موضوعية في محاولة لسرد الصورة شبه الكاملة وتفويت فرصة استخدام نفس المعطيات لاستخدامها في صور أخرى غير حقيقية تستهدف الأردن وتصبح جزءاً من أدوات استهداف ناعمة تنضاف إلى الأخرى الخشنة التي تترقب اللحظة المناسبة لتنقض على الأردن وجوداً ونموذجاً.
بدايةً، يجب الوقوف عند حقيقة بسيطة أنه لا توجد دولة في العالم لا تعاني من مشكلات تتعلق بتهريب المخدرات أو الاتجار فيها، وأن هذه المشكلة تتفاقم وتتفاعل مع طبيعة الإقليم والظروف الاجتماعية والاقتصادية، وأن الأجهزة الأمنية في مختلف دول العالم توجهت لتتعامل مع مشكلة المخدرات بصورة روتينية، إلا أن المملكة بدأت تواجه في السنوات الأخيرة فراغاً هائلاً في الجنوب السوري وسيولة في في الموقف الميداني بحيث لا يمكن لأي جهة أن تزعم سيطرتها الكاملة على أي منطقة، وبالتالي، المسؤولية عنها، بما يجعلها طرفاً آخراً موثوقاً للتنسيق مع الدولة الأردنية.
الحرب على غزة، ومناقلات الجيش العربي للحدود الغربية للمملكة، والانتشار الواسع في الأغوار الأردنية، أتى بوصفه فرصة مغرية لمهربي المخدرات، فرصة ذهبية من الناحية المبدئية، وبغض النظر عن أي سياقات سياسية معقدة أو تجارية بحتة، فالتقدير الأولي لمهربي المخدرات هو التمكن من تمرير أكبر كمية ممكنة لوجود قناعة بأن الجيش الأردني استدرج للمفاضلة بين الأولويات، وفي المقابل، لم يكن توقع هذه الطريقة في التفكير بالأمر الصعب بالنسبة للأجهزة الاستخباراتية الأردنية، المخابرات العامة والاستخبارات العسكرية معاً، وأتى القرار أن تكون الضربة قاسية وواسعة، بمعنى أن توظف لتكبد عصابات التهريب خسارة فادحة تجتاج إلى وقت من أجل تعويضها على مستوى العناصر البشرية والأدوات اللوجيستية، فالوقت مقابل الوقت، وأن تؤدي العملية غرضها في الردع لعصابات التهريب.
الاشتباك العسكري الأخير، تمكن من تحقيق الغايات المطلوبة للجيش العربي، ولكن، وهذه معلومات لم يتسنى التوثق منها، ولا يمكن أن يتحملها التحليل، حدثت مشاركة في استهداف الجيش العربي من داخل الأردن، أي العصابات الشريكة من الداخل الأردني، فهل كان الصيد الذي حققه الجيش والخسائر غير المرئية في الجانب الآخر من الحدود فادحة لدرجة استنفار الشركاء في الداخل الأردني، الإجابة غالباً، نعم.
توجد أقوال عن ضيق الأهالي من العصابات المحلية، ولكن وجودهم تحت حماية الأمن العام كان كافياً في المرحلة السابقة، والقاعدة الأمنية أنه يمكن احتمال وجود بعض الثغرات هنا وهناك مقابل ألا يتضرر مدنيون في عمليات أمنية طالما أن الأمور تحت السيطرة، ولكن الاستنفار الأخير جعل الأمور غير ممكنة، والمعلومات الاستخباراتية رصدت تطوراً كبيراً في أنشطة العصابات الإجرامية وأدواتها، ولذلك أتى القرار بأن تنتقل المواجهة إلى مستوى آخر من التعامل، سيبقى في إطار القانون والإجراءات المرعية لأن الفضاء العملياتي متداخل ومعقد.
العملية لم تتخذ الطابع الإنتقامي من الأمن العام أو الجيش العربي غير البعيد عن الفضاء العملياتي، ولذلك تأخرت بضعة أيام عن الاشتباك الواسع الأخير، وكان مطلوباً تحديد المواقع بأقصى دقة ممكنة، ورصد البنى ال...
لاحتواء توابع الضربة العسكرية وراء الحدود.. الحرب على المخدرات مستمرة
06:11 27-12-2023
آخر تعديل :
الأربعاء