في كلمة سمو الأمير الحسن بن طلال، رئيس منتدى الفكر العربي، في رعاية ندوة مجمع اللغه العربي الأردني، بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية ومرور 100 عام على تأسيس «المجمع العلمي في الشرق الأوسط»، التي حضرها وشارك بها عددٌ من الشخصيات المعجمية واللغوية العربيّة، نلمح كشفًا مستقبليًّا لحال اللغة العربيّة، وفي الوقت ذاته قراءة ذكية لكيفية ديمومة هذه اللغة والحفاظ عليها، واتخاذها ركنًا من أركان الهوية القومية الجامعة، وهذا دأب سموه في قراءة المواضيع من وجهة نظر فكرية وعملية، وفي مقارباته في المواضيع الحيوية التي ت?اني منها المنطقة والعالم.
وحين يرى سموه أنّ هذه اللغة يجب أن تتجاوز كونها فقط وسيلةً للتعبير، إلى هذا الفضاء التحليلي الموضوعي الذي يطمح إليه سموه كمفكر؛ فإنّ في هذا تأكيدًا لخلق الرؤى الاستراتيجيّة، ولحثّ العاملين في مجامع اللغة العربية على بذل المزيد، خصوصًا وأنّ سموّه دائمًا يقرأ الأمور بمنظار بعيد المدى يأخذ بعين الاعتبار الظروف المحيطة والمتغيرات والتحديات الجديدة.
وفي مجمع اللغة العربية الأردنيّ، هذا المجمع الشعلة المتعاون مع اتحاد المجامع اللغوية العربيّة، ونحن نفرح بهذا الاحتفال وبالمنجز الأردني المبكر للمجمع العلمي في الشرق العربي، واقتناص المجمع هذه المناسبة الرائعة التي هي من صلب اختصاصه، مناسبة اليوم العالمي للغة العربية، لاستضافة صاحب السمو الأمير الحسن بن طلال للحديث عن الراهن والمستقبل من فيوض أفكاره وتنظيراته الكاشفه لما يستجد من ظروف في هذا الموضوع أو ذاك، فإننا بالتأكيد ندرك قوّة الطموح أمام راهن اللغة العربية وواقعها، في كونها عنصرًا مؤثرًا، بالرغم من ج?لة الظروف التي نعيش.
القيم النهضوية
وهذا ما تضمنه، كإطار عريض، اهتمام سموّ الأمير الحسن بذلك، حين ربط التحليل والقراءة المستجدة لهذا الوضع بمشروع خدمة اللغة العربية، «كفضاء تحليلي موضوعي» يأخذ في الحسبان الظروف المعيشية، مع تأكيد القيم النهضوية، والتي هي بحدّ ذاتها مفهومٌ جميل ورائع، يعيد إلينا الأمل بمستقبل هذه اللغة، التي تلازمنا ليس كأداة تعبير فقط، وإنما كعنصر مهم من عناصر الهوية، وما تحمله مع غيرها من العناصر الأخرى، من ميزة وقوّة، فاللسان العربيّ بالتأكيد جامعٌ أصيلٌ من جوامع العرب والقوميات التي أشار إليها سموه، حين تكون لغتنا حاضنةً ?ضاريةً بكلّ تجلياتها، وحين تكون اللغه الأم من أعمدة أي مشروع نهضوي يجب أن نقوم بتحفيزه لتحفيز الوطنية الجامعة والقواسم المشتركة، بعيدًا عن الإقصاء.
وبخصوص «الإقصاء»، فإنّه من المؤلم أمام طروحات الهوية الجامعة والهوية الوطنية، أن يكون اللسانُ عاملًا من عوامل التفرقة، لأنّ هذا اللسان، الذي هو قاسم مشترك يجمع على القيم النهضوية، ويؤكد حضور الفكر والثقافة وهو ركن مهم من أركان القومية، فاللغة الأم لا يجوز أن تكون سببًا أو مدعاةً للإقصاء؛ فتكملة الجملة المقتبسة من حديث سمو الأمير الحسن، تؤكد لنا كيف أنّ سموه ينبّه إلى أهميّة أن يُفهم الأمر في سياقه الصحيح؛ وإلا لأصبح الناطقون بغير العربية بعيدين عن الناطقين بها، وأصبحنا أمام ثنائيات وضدّيات تشكّل عوامل تفرق?، فهناك قواسم إنسانية مشتركة، يحترمها كلّ بني البشر حين تتلاقى الألسنة على العمل الصالح والتفكير الذي ينعكس على الجميع بالخير وإعمار الأرض.
حوار الآخر
لكنّ علينا أن نعتزّ أيضًا مع إيماننا بـ«الآخر»، وحوارنا معه، بهذه اللغة العربية، وألا نصدر في أحاديثنا وفي سلوكنا على التبرؤ منها أو الاستهتار بها، أو الخجل في الحديث بها، خصوصًا وأنّ المفكرين والأكاديميين والْمَجمعيين قد أعلنوا أسَفَهُم منذ زمن، أمام هذا الذي يحدث؛ إذ لابدّ من وجود استراتيجية قومية لتعزيز اللغة العربية ونشرها والحفاظ عليها، وهذا يعني من وجهة نظر صاحب السموّ الحسن بن طلال، التأكيد على أهمية العمل القومي الاستراتيجي وبشكل جماعي، لتعزيز هذه اللغة ونشرها والحفاظ عليها، لأن في ذلك تكاتفًا للجه?د ودعوةً للآراء وتبادلًا للأفكار، للخلوص بنقاط محددة نستطيع من خلالها أن نعزز من حضور اللغة، ليس على مستوى القطر وحده، وإنما على مستوى القومية بشكل عام.
لغة الإعلام
ولذلك فإنّ الوسيلة الضرورية والمهمة في ذلك هي في إشارة صاحب السمو إلى أهمية إنشاء «هيئة حكماء» للإشراف على وضع هذه الاستراتيجية، وهي رؤية مهمّة جدًّا وتدعو إلى الاعتزاز بأنّ بلدنا ما يزال يحترم لسانه ولغته وهويته، ولا يتنصل منها بحالٍ من الأحوال، وأنّ دعوة سموّه كمفكّر، هي دعوة نوعية، وبعيدة في استشرافها الزمني ومضمونها عن القراءات الآنية في اللغة، ويدخل في ذلك حال اللغة العربية في التدريس، وحالها في الكتابة، وعلى الإنترنت، وحالها في وسائل الإعلام، وعلى اللافتات، وحالها في المناهج، وعند تلقيها المجتمعي، وت?ليف قلوب الناشئة والأبناء عليها، في ظلّ مزاحمة غيرها من اللغات.
ونقرأ من سموّ الأمير الحسن في كلمته، معنى أين تسير لغتنا عربيًّا وقوميًّا، في حديث سموّه عن القوميات الأربع التي تشكّل أعمدة الأمة من عرب، وفرس وترك وكرد، في عصب الثقافة في المشرق.
التعدد والتنوع
فهي سطور من الحكمة العمليّة أمام ما يحدث، يقرأها سموّه من فيض علمه وغزارة فكره، في أهمية التعدد القومي والتنوع الديني واللغوي، وكيف أغنى هذا التعدد القومي والتنوع الديني واللغوي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الإقليم المشرقي في الجزيرة العربية، وهي بالتأكيد دراسات قيّمة تتمخض اليوم عن إشارات ذكية من سموّه لقراءة مفهوم التنوع والتعدد، كمفهوم تقوم عليه الدول والشعوب والحياة كلّها، بل ويدعو إليه ديننا وثقافتنا، وإذا انتقص هذا المفهوم فبالتأكيد ستكون الحالة صعبة، فموضوع التنوع والتعدد لا يتناقض بحا? من الأحوال مع موضوع الحفاظ على اللغة العربية، لأننا حينما نعتز بلغتنا العربية، يعتز غيرنا بلغته أيضًا، ولا بدّ أنّ المقاربات اللغوية والدراسات أظهرت، وستظهر، أنّ اللغة العربية واللغات الأخرى، بينها قرابة وانسجام وجذور مشتركة تعزز من التقاء الإنسانية على هذه اللغة، فتكون اللغة العربية حاضنةً لأبنائها، وأيضًا محلّ احترام من «الآخر»، صاحب اللغة الأخرى، الذي يثق بإرثنا اللغوي ويحترمه ويعمل معنا على حضوره.
ويولي سموّ الأمير في السياق، مفاهيم اقتصادية مثل الثروة ورأس المال الإنساني بين المشرق والجزيرة العربية، كأساس لقيام النهضة، ولا بدّ أنّ في هذا قراءةً لأهمية الفرصة في حياة الإنسان ومطلب النهضة المنشودة، باعتبار المورد البشري عنصرًا مهمًّا من موارد التنمية الشاملة للبلدان.
الوطنية الحقيقيّة
وحين نوّه سموّ الأمير الحسن في كلمته، إلى ضرورة استخدام مفاهيم مبسطة في الدراسات تعزّز مفهوم الوطنية الحقيقية وتعمّق القناعات في الانتماءات، فإنّ في ذلك بعدًا عن التعقيد أو تنفير الآخر من هذه اللغة، وحلًّا عمليًّا وذكيًّا في عصرٍ مليء بالتحديات، ربما يقرأه أغلبنا بنظرة تشاؤمية أمام ما سيحدث. وبالتالي فإنّ علينا أن نسوّق لغتنا بطريقة ذكية تراعي المتغيرات ولا تعتمد على تعقيد هذه اللغة، باعتبار الوطنية تتعزز بهذا الأسلوب في الدراسات ونتائجها ومستخلصاتها، كما تتعمق أيضًا كما رأى سموه، القناعات في الانتماءات، ب?كرنا وقلبنا ووجداننا وعقلنا، بحيث نعمل لموضوع الانتماء بكلّ ما هو مطروح أمامنا من وسائل وأساليب.
تحديات المجامع
ويدرك سموّ الأمير أنّ هناك تحديات جمةً أمام مجامع اللغة العربية، من خلال أمور كثيرة، ولذلك يضع عناوين ومقترحات قيّمة نواجه بها المشاكل المستقبلية أو الراهنة، بما في ذلك من خير لهذه اللغة ولحواضنها، وهي في المقام الأول مجامع اللغة العربية، ومن أهمّ هذه المقترحات تعزيز العمل المؤسسي الرصين في وضع «المعاجم العربية الحديثة»، بمعنى أن تكون هناك حلول عملية في هذا الموضوع، وألا نبقى نغرّد خارج السرب الراهن، أو خارج واقعية الحياة؛ فنحن أمام أجيال جديدة لا تنشأ على اللغة العربية في كثيرٍ منها، وأجيال ترى أنّ اللغة ?لعربية ليست سوى ديكور أو عنصر تعبيري، وهو ما نوّه إليه سموّ الأمير في بداية حديثه، لهذا السبب جاء المقترح في أن يكون العمل مؤسسيًّا في عمل المجامع، باعتبار المجامع صاحبة رؤية ولا تقوم على الفزعات العادية السهلة والبسيطة التي ينتهي دورها بانتهاء المناسبة أو بانتهاء الظهور الإعلامي فقط، إذ عليها أن تستمر أعمالها إلى فترة طويلة، خاصةً حين نقنع طالبًا أن يرتاد معجم اللغة العربية، وقد ارتبط المعجم عادةً كصورة نمطيّة وجافة في عقول الطلبة، وحتى بالنسبة للدارسين الذين ينظرون إليه كجهد إضافي وعبء للتخرج من الجامعة ?و لاستكمال بحث، ولكن حينما نقرأ هذا المعجم قراءةً موضوعيةً في كونه يحمل ثقافتنا، فإننا سنعزز إلمامنا وحديثنا بهذا المعجم وفهمنا لمحتواه، حتى في موضوع أسمائنا وألفاظنا المتداولة، بل وحتى للفظ الشعبيّ ذي الارتداد الفصيح، في أصوله، لنكون آنذاك أمام مقاربات مهمة في قراءة جذور اللغة وفهم التغيير الذي طرأ عليه، وهذا الأمر موجود في دول اشتغلت على هذا الموضوع، مثل الإمارات مثلًا التي وضعت معجمًا لألفاظ اللهجة العامية أو المحكية، ومعاني هذه الألفاظ، فللقارئ والدارس والمهتم أن يقوموا جميعًا بعملية مقاربة بين هذه الل?جات وأصولها؛ باعتبار اللهجات هي بنت اللغة الفصيحه وعلينا أن نقرأها من منظور سهل ليس فيه تعقيد، لخدمة اللغة العربية أساسًا.
المعجم الحديث
فكيف يمكن أن يكون المعجم العربي الحديث ذا تداول بين الأيدي، وأن يكون عنصرًا من عناصر الثقافة العامة، وعنصرًا يتداوله المثقفون والكتاب والشعراء والروائيون والقاصون وكتّاب الخواطر، بل والسياسيون؟!.. ذلك يتحقق حين لا يكون عمل المعاجم فزعةً، بل عن قناعة بأهمية اللغة العربية وجدواها للجميع. ويطرح سموّ الأمير الحسن أهمية أن يكون هناك تفعيل لدور اللغة العربية عالميًّا، مع التركيز على الأسلوبية الملهمة والمبدعة في مخاطبة الآخر، وهذا مهم جدًّا، لكي يقتنع بنا هذا الآخر، فلا يحسّ أننا نقحم مواضيعنا عليه إقحام المتعصب?دون مبرر موضوعي لها، بل يشعر معنا وهو يدرك روعة اللغة/الهويّة المحفوظة بهمة أبنائها، وقبل كلّ ذلك بحفظ الله لها، كلغة كتب بها القرآن الكريم، فهذا الآخر بيننا وبينه إنسانية في القراءات والتفكير والدراسات المقاربة، وقد عُني بدراسة أحوال الشرق العربيّ، ليس فقط في اللغة والآداب، وإنما في حقول عديدة منها الفنون، لذلك فنحن معنيّون بقراءته ومخاطبته الخطاب الملهم المبدع لكي تكون هذه «الأسلوبية»، عنوانًا ومُعينًا لنا في ذلك.
ويطرح سموه أيضًا موضوع العناية بتعليم اللغة العربية على جميع المستويات، ومعنى ذلك ألا تكون اللغة العربية فقط مقررًا يجتازه الطلبة للنجاح، وإنما أن تتخللنا لغتنا على جميع المستويات، بحيث تصبح شاغلنا ونصبح مشغولين بها ومحبين لها، فنسعى إلى جذب الآخر إليها واتخاذها عنصرًا من عناصر اهتمام غيرنا بها، وهذا أمرٌ مهمّ حين يكون مدعومًا بالعمل المؤسسي لمجامع اللغة العربية، وأيضًا بالمعاجم الحديثه التي تنجزها المجامع والدراسات والقراءات في ذلك.
لغة الإعلام
ولقد نبّه سموّ الأمير الحسن على موضوع مهمّ، وهو موضوع «لغة الإعلام»، والسعي لزياده المحتوى العربي على الإنترنت.
أمّا لغة الإعلام، فلا يجوز أن تتردى إلى ما يجعل من اللغة شوهاء عرجاء، يضيع منها المزيد وتتخفف من المفيد كلما مرّت سنة أو دخل الناس عامًا تكنولوجيًّا أو طورًا من أطوار التحول الإلكترونيّ أو الرقميّ، فهذه اللغة يجب أن تكون مَعينًا لا ينضب، خاصةً على مستوى المحتوى العالميّ واللغة التي تحمله، لأنّ الوجود القويّ والواثق للغة، كحامل للمعلومة والعلم والثقافة، وحامل أيضًا للإعلام،..يؤكّد أننا لا نخاف على لغتنا من أن تضيع في ظلّ انتشار لغة العصر الإلكترونيّ، كما يؤكد سموه على أهمية السعي لزيادة جانب المحتوى العربي ?لى الإنترنت بلغه «سليمة»، وهو أمرٌ مبشّر بأنّ نعزز مدونات تاريخية وثقافية سليمة في لغتها وطريقة كتابتها دون أخطاء، فهو طموحٌ لصاحب السمو في أن تزداد مساحة المحتوى العلمي والمعرفي على «الإنترنت» باللغة العربية، وعلينا أن نعمل له، لأنّ اللغة العربية، وإن كانت منتشرةً على الإنترنت، إلا أنّ أخطاء كثيرة يغصّ بها هذا المحتوى في اللغة العربية، في حركاتها وإعرابها، وربما في أشعارها، وفي كثير من مثل ذلك.
واللغة السليمة الحامله للمحتوى العربي على الإنترنت هي مُسَوّق ضروري ومهم للغتنا أمام الآخر، وقد لَفتَ سموّ الأمير الحسن بن طلال في كلمته إلى أهميّة أن يكون هناك تكثيف لنشر نصوص مختارة من الشعر العربي، باعتبار الشعر هو ديوان العرب، وكذلك النثر كمخزون لغوي، ليكون كلّ ذلك مُوَجَّهًا إلى كلّ الفئات والشرائح المجتمعية، من خلال الأدبّ في الشعر والنثر، كذكاء من سموّ الأمير في معرفته بوجدان الإنسان العربي وتلقيه للشعر واحترامه للغة الضاد التي حملت إلينا تراثًا شعريًّا رائعًا ما يزال «الآخر» يحفظه بلغته السليمة ويت?نى به ويبحث عن معانيه وظلاله، في حين ما نزال نحن نتخوّف في أجيالٍ منا، من أن ننطق بهذه اللغة، فنذهب إلى غيرها.
حقًّا، لقد كانت كلمة سموّ الأمير الحسن بن طلال كلمةً ذكيّةً وواقعيةً، وذات حلول عمليّة، في طرح عناوين بارزة تقرأ الوجدان والعقل العربيَّيْنِ والعمل المعجمي لمجامع اللغة العربية، وتتفهّم تحديات الحفاظ على اللغة وعمل مجامع اللغة، فلا أقلَّ من أن نيسّر على المتلقين والناس والناطقين بغير العربية، وأننسعى ليتكامل العالم حضاريًّا، فتتعزز محبتنا للغتنا ونؤلّف قلوب الآخرين على هذه اللغة.