بقي سؤال التنمية شاغلاً أساسياً للدولة الأردنية، ولم يتوقف كثيرون حول أنه لم يكن سؤالاً من اللحظة الأولى، بمعنى أنه لم يكن يتضمن في مضمونه شيئاً لم يعرفه الأردنيون، ومرحلة لا يدركون ملامحها، ولا يشكل تقدماً من الأساس، بل عودةً للأصول التي تشوهت نتيجة النمو المتسارع للدولة الأردنية خلال فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، بمعنى استعادة هوية المجتمع والاقتصاد في الأردن.
زيارة ولي العهد الأمير الحسين يمكن أن تحتسب محاولة حقيقية لمقاربة جديدة ومختلفة للتنمية تقوم على الثقة في البنى المؤسسة للدولة والمجتمع في الأردن.
المرويات الكثيرة والمتتابعة حول استراتيجية الحكم التي اتبعت من الملك المؤسس تظهر منهجاً واقعياً في الإدارة، وصفت لدى البعض بأنها منهج متقشف ومفرط في الحذر في التعاطي مع الاقتصاد والإدارة، شهادات المعاصرين للملك عبد الله الأول تؤشر إلى هذه المسألة، والواقع، أن ظروف الدولة الأردنية وصولاً إلى منتصف الخمسينيات لم تكن معنية بأكثر من توجيه المجتمع ومنعته الذاتية.
التغير الأساسي يأتي بعد إسقاط حلف بغداد والمباشرة في سياسة المنح العربية للأردن تجاه تعزيز الصمود بوصفه خط المواجهة الأطول مع الجانب الإسرائيلي، وبينما كانت الأردن في نهاية الستينيات تمتلك شبكة مواصلات واعدة، وبنية معقولة في التعليم والصحة، وجهازاً إعلامياً، فإن كثيراً من الدول العربية كانت تفتقد لبعض هذه المفردات أو جميعها، وتطلبت عملية النمو المتسارع الذي دفعته موجتين من الهجرات في 1948 و1967 إلى جهاز حكومي كان يستوعب معظم الأردنيين، الأمر الذي طرح الأردن بوصفها وجهة عمل مناسبة للباحثين عن فرص في القطاعات غير الرسمية، وبدأت العمالة الأجنبية تظهر في الأردن حتى أصبحت رقماً يفوق نسبة البطالة لدى الأردنيين في مفارقة يمكن أنها ليست متواجدة في مكان آخر غير الأردن.
منذ عشرين عاماً أصبح الحديث عن العمل الخاص خارج إطار القطاع العام توجهاً عاماً للدولة، وكانت المشكلة الرئيسية أن معظم المكلفين بتقديم حلول لهذه الإشكالية كانوا ممن أنتجتهم مرحلة الدولة الريعية، وأتى جيل آخر يحمل تجارب غير أردنية، وهو الجيل الذي أحدث سوء الفهم، وكأن الأردن يتقدم لريادة الأعمال والمشاريع الصغيرة مثل دول الخليج ولا يستعيدها من ذاكرته الممتدة لقرون من الزمن، حيث كان الأردني حتى الخمسينيات من القرن الماضي هو العامل في البناء والصانع والمهني، ويبدو أن العودة إلى الطفيلة في هذه المرحلة تعيد القصة إلى بدايتها الصحيحة، ويمكن من ذلك استعادة البناء الجيني للاقتصاد الأردني.
في رواياته المختلفة يتحدث ابن الطفيلة، سليمان القوابعة عن الطفيلة قبل قرن من الزمن، يوم بدأت الطفيلة في تصدير عمالتها النشطة والمجتهدة إلى عمان، وإلى موانئ فلسطين، وخاصة غزة، والعودة إلى الطفيلة المحافظة التي ظلمت في معادلة التنمية، حتى أصبحت نموذجاً للتنمية العرجاء في منتصف الثمانينيات وما يليها، تعتبر خطوة مهمة من الأمير المتحمس الذي يطرح مقاربة جديدة للتنمية.
لم يبحث الأمير الحسين عن قصص النجاح، ولذلك أتت زيارته تحمل جانباً غير معلن، يفوت فرصة تغطية المشكلات الحقيقية وراء بعض القصص بحيث يصدر إيحاء بأن البنية جميعها تسير بنفس السوية التي تعكسها قصص النجاح، وهو الأمر غير الدقيق في معظم –إن لم يكن في جميع– الأحوال، كما وأتى حديث الأمير حول تنمية متكاملة تقوم على بنية تحتية متداخلة أو حسب المصطلح الاقتصادي ecosystem، بحيث تتضافر معطيات التدريب والتأهيل والتمويل والتمكين، ولا تتوزع على مساقات غير متوازية تفشل في النهاية في إحداث حاضنة فاعلة للتنمية.
لم تتغيب رسائل ضمنية من قراءة المشهد من تمكين لفئة الشباب بصورة خاصة، وهو الأمر الواقعي والمنطقي نظراً لأن المجتمع الأردني متطرف في بنيته السكانية لمصلحة الشباب، بمعنى أن وصف المجتمع الفتي ليس بلاغياً، ولكنه توصيف اقتصادي دقيق وتكاد الأردن بين جميع دول العالم ذات معدلات العمر المنخفضة تمثيله الأكمل، لأنها لم تشهد حروباً وتمتلك قطاعاً صحياً متميزاً، فهو يختلف عن أفغانستان المجتمع الأصغر سناً والذي أكلت الحرب أجياله الوسطى بانتظام، بمعنى أن الأردن مجتمع مكون من الشباب الذين حصلوا على فرص وجودية متميزة، ولديهم فرص كبيرة في تحقيق ماهية واعدة.
من بين الرسائل الكثيرة، وجميعها يمكن أن تدور أو تقترب من المعاني التقليدية في قاموس المقاربات التنموية الأردنية، فإن جولة ولي العهد تقدم مبادرة نوعية جديدة يمكن أن تعتبر منتمية ليس لتصحيح أخطاء الماضي وإعادة الاقتصاد الأردني لسياق الصحيح، ولكن تمتد للتعامل مع التحديات والفرص المستقبلية، فالأمير يوجه لإنشاء مختبر جديد للغات في جامعة الطفيلة التقنية لتقديم الخدمات للطلبة وللمجتمع المحلي.
التدريب المهني واللغة الأجنبية يفتحان باباً للمستقبل في ظاهرة التقدم في العمر على المستوى العالمي، وهي أحد الاستراتيجيات المهمة والواقعية والتي تمتلك شجاعة الاعتراف بضرورة التعامل مع الاختلال الديموغرافي ونسب الزيادة السكانية الطبيعية (الخصوبة) المفرطة في أردن النصف الثاني من القرن العشرين، مترافقة مع الإزاحات السكانية، تجاه إعادة الأردن بوصفه مركزاً لتصدير رأس المال البشري لآفاق جديدة.
بالتأكيد هي زيارة نوعية وتمتلك شجاعة للاعتراف النقدي بضرورة التعامل بمعطيات جديدة مع التنمية، ويبقى التعويل على وجود (طبقة وسطى) من الإدارة العامة تستطيع أن تترجم هذه التوجهات إلى مكتسبات لا أن تضيعها في تفاصيل (سكن تسلم) والتعليمات واللوائح، التي تفترق عن الواقع الميداني.
الأوضاع الحالية، التحديات، الانشغال الاستراتيجي وهوامش المساندة، الاستغراق الرسمي في التحديات، جميعها معطيات ووقائع تجعل الأمير في موعد مع إشكالية التنمية، ويبدو أن البداية من الطفيلة تمتلك وجاهتها المنطقية في ظل البنية التاريخية، والاعتماد على منهج التصحيح والاستعادة، ويبقى الطريق طويلاً وصعباً وشاقاً ومعقداً، ومع ذلك، لا مناص عن خوضه ولا رفاهية لتأجيله.