الإسلام يعتبر الأسرى من الفئات الضعيفة التي تستحق الإحسان والرعاية ويوجب معاملتهم معاملة إنسانية تحفظ كرامتهم وتصون إنسانيتهم، لهذا كان تصرف رجال المقاومة الفلسطينية مع الاسرى الصهاينة ترجمة لأمر رسولنا الكريم » استوصوا بالأسارى خيرا »، و لأن رجال غزة عرب أقحاح، و العرب قديما كانت تفاخر بالمن على الأسرى، لا بل يهجون القبائل التي تقتل الأسرى، وقالو في ذلك:
"ولا نقتل الأسرى، ولكن نفكهم... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم"!
رجال المقاومة الفلسطينية يحترمون المواثيق الدولية و يعلمون أن المبدأ الأساسي الذي ترتكز عليه اتفاقيات جنيف هو وجوب معاملة أسرى الحرب معاملة إنسانية، ومن منا راقب عملية تبادل الأسرى والمحتَجزين، كان يرى الفَرْق الإنساني والحضاري بين رجال المقاومة وأبطال القسام وبين مرتزقة جيش الكيان الصهيوني المحتل الخسيس، ليرى مشهد لافت للانتباه لطفلة من بني صهيون تبتسم لمقاتلة من «حماس»، مشاهد ظهر فيها الأسرى الإسرائيليين وهم يودعون مقاتلي المقاومة فور وصولهم لسيارات الصليب الأحمر، وكأن المشهد لأصدقاء وخلان يودعون بعضهم ا?بعض وليس وداع أسرى لمحتجزيهم، مشهد لسيدة ترافقها فتاة صغيرة وهما تلوحان و الابتسامة تزين وجهيهما بالوداع لمقاتلي المقاومة، فيما ودعمها بود مقاتل من أخفى وجههه بقناع، لكن نبرة صوته لم تختفي بل كلها ود وحنان، مشاهد عديدة تجعلك تتيقن أن هولاء الأسرى لاقوا أحسن اشكال المعاملة خلال فترة احتجازهم في غزة الصمود.
أسرى قالو «عشنا معهم نفس الظروف داخل الأنفاق، أكلنا معهم الخبز والخيار، تماماً مثل ما أكلوه»، في إشارة إلى مقاتلي المقاومة، أسرى من بني صهيون قالو «كان هناك طبيب يأتي كل بضعة أيام ليتأكد من إحضار الدواء لنا»، وقالو أيضاً «لقد عاملونا بشكل جيد، واهتموا بجميع احتياجاتنا».
مشاهد تكررت اثناء تسليم الأسرى حيث يخرج المُحتَجز الصهيوني أو الأجنبي من مكان احتجازه، مبتسماً، ودوداً ومحبًا لرجال المقاومة الذين أشرفوا على احتجازه، مشاهد كدت معها أظن أن بعض المحتجزات لا يرغبن المغادرة بفعل التعامل الحضاري والإنساني الذي كان رجال المقاومة يمارسونه معهم.
استوقفني طويلاً مشهد الطفلة الصغيرة صاحبة الجديلة السوداء الطويلة والملابس الانيقة، يغمرها الفرح ولا تكف عن توزيع الابتسامات والتلويح لرجل المقاومة المدجج بالسلاح، وكأنها تحرص على اغتنام الدقائق الأخيرة من الحجز لتعبر عن إمتنانها لكل أهل غزة أو لمن تبقى منهم، مثل هذه المشاعر طبيعية جداً من طفلة تجاه جندي من وطنها ومن جلدتها كان قد افتكها من بين يدي مجرم أو أنقذها من موت محقق ولكن الطفلة الباسمة ليست سوى إبنة العدو المحتل لهذا الرجل المدجج بالسلاح، عدو يمطره كل يوم بالقنابل ويمنع عنه الغذاء والدواء ويطبق عل?ه حصاراً منذ سنوات. لقد كان وداع استثنائي غاب عنه الحقد والانتقام أثناء تسليم الأسرى الإسرائيليين للصليب الأحمر حيث ظهر رجال المقاومة يربتون على اكتاف الأطفال ويترفّقون بالمسنين، وأمام الكاميرات، ظهر الأسرى المفرج عنهم بصحة جيدة ويرتدون ملابس مرتبة ويحملون أكياس فيها بقايا طعام وعصير زاكي، وظهرت فتيات وسيدات يبتسمن لرجال المقاومة ويلوحن لهم بالود والتودد.
مشهد لمقاوم فلسطيني يحمل عجوزاً من بني صهيون كما أنها جدته ويجلسها بكل برفق على كرسي داخل سيارة، مشاهد إنسانية من غزة، حيث كان يتوقع منها الانتقام والحقد امام عدوان اسرائيلي أدى لسقوط الاف الشهداء معظمهم من النساء والأطفال، إلى جانب تدمير القطاع الصحي ومختلف المرافق الحيوية وتهجير وتجويع السكان، مشاهد رفض نشرها ناشطون إسرائيليون بحجة انها دعاية فظيعة انتجتها المقاومة، لكن حديث المفرج عنهم بعد وصولهم لإسرائيل، كشف انها لم تكن عملا دعائيا، بل كانت انعكاساً لأخلاق أهل غزة وللمعاملة الحسنة التي تلقوها منذ اقتي?دهم إلى غزة إلى لحظة الإفراج عنهم.
في المقابل، و بالرغم من أن الكيان الصهيوني كان قد وقّع على العديد من الاتفاقيات الدولية التي تمنع التعذيب ومنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إلا أنه مارس أبشع وشتى وسائل التعذيب الجسدي والمعنوي بحق الأسرى الفلسطينيين في سجونه التي تشهد أشد وأنكى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، فقد تحدثت الأسيرات الفلسطينيات المحررات عن تعرضهن لمعاملة سيئة في السجون الإسرائيلية تصل حد الركل والضرب والحرمان من النوم والطعام والدواء، تعامل «خسيس» من قبل السجان الصهيوني الذي حاول حتى اللحظة الأخيرة اهانة الأسير والأسيرة الفلسط?نيين، سجان معتوه منع الفرح و كل مظاهر الابتهاج في بيوت الاسرى الفلسطينين، كيان محتل ودنيء نقول فيه ما قاله الشاعر:
لكل داء دواء يستطب به.... إلا الحماقة أعيت من يداويها.
أما غزة فكل المشاهد تقول أنها مدرسة وعلينا أن نفتح كراساتها ونتعلم دروسها.
أمين عام المجلس الصحي العالي السابق