يصادف الرابع عشر من شهر تشرين الثاني الذكرى الثامنة والثمانون لميلاد المغفور له جلالة الملك الحسـين بن طلال، باني نهضة الأردن صاحب الكلمات التي صنعت مجد الوطن الذي اطلق عبارة «الأنسان اغلى ما نملك.. فلنبن هذا البلد ولنخدم هذه الأمة» كلمات لن ننساها فهي كالضوء المنير لدروبنـا وكالأوسـمة تزين صدورنـا.
ومن وحي هذه الذكرى ومدلولالتها السـامية تجدُر الإشـارة إلى أن الحديث عن الحسـين لا يمكن له أن يكون حديثاً عابراً، ولم يكن حاكماً بالصبغة تقليدية شـأنه في ذلك شـأن الهاشــميين؛ بل اسـتطاع وبرؤيته العميقة الممزوجة بالعبقريـة في المنطقة والعالم، أن يضرب مثالاً فريداً لتقارب الشـعب مع حاكمه، والذي يتلفُع بمناقب وصفات جعلته يمتلك القلوب لا الرقاب، فقد حقق عبر تاريخـه الطويل في السـياسـة والحكم وكناتج منطقي لحنكتهِ الفذة، جملة من الأنجـازات الوطنية التي كانت للعرب كلهم، كتعريب قيادة الجيـش ليصبح جيشـاً عربياً دا?ع عن الأردن وفلسطين بذات الروح وذات الانتمـاء، وامتدت جولات بطولته عبر مناطق عربيـة تدون حتى السـاعة شـهامته وتـاريخه الناصع المضمخ بالكبريـاء والدم الزكـي.
نعم الحديُث عن الحسـين يرتبُط في الذهنية العربية المنصفـة بمحطات فخـر ووفـاء وشـرف مروم، لا سـيما وهو وعبر عقود من الزمن صوُت الأمة وزرقــاء يمامتها يقرأ لها الأحـداث بعبقريـة ونظـرة بعيـدة المدى ويدفُع فاتـورة عروبـة الأردن دون تخـاذل أو تـردد؛ كيف لا والقارئ للأحـداث يسـتحضرُ صورته في جمع كلمـة العرب خدمـة لأحـلامهم وتطلعاتهم لمسـتقبل يستكمل مقومات الحيـاة الكريمة.
لقد كان الحسـين طيب الله ثراه حالة سـياسـية اســتثنائية إذ جعل العالم كله يؤمن بمكانـة الأردن وقدرتـهِ على ترسـيخ القيم الأنسـانية والتي تتوافق وقيمه وثوابته الراسـخة، وهو ذات النهج القويم الذي يواصله الملك المعزز جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسـين المفدى حفظه الله ورعاه، حتى بات الأردن واحـة أمن واســتقرار يلوُذ بها الخائف والمتطلُع لحيـاة لا يـكدُر صـفوها قتل أو تشـريد أو طمـس لإنسـانيـة الأنسـان، مهما كان معتـقده ومنبتـه وأصلـه.
تتجدد في قلوب الأردنيين ذكرى ميلاد الحسـين طيب الله ثراه، إذ يحيون بقلوبهم ووجدانـهم ذكرى ميلاد ملك أحبـوه كما هو أحبـهم كقائد وملك وإنسـان وشــيخ عشـيرة واحـدة، وباني نهضـة وطنهم الغالي.
وبكل فخر وشـموخ يسـتذكرون الحسـين طيب الله ثراه، قائد مسـيرة الخير والبنـاء والعطـاء الموصول لبلدهم، قضاها بعمل مخلص وجهد ورعاية شـؤون وطن أعز وأغلى، تـحدى كل الصعاب في محيطه تقلبت فيه أمواج المخاطر والتحديات في تحمل المسـؤولية مدة ســبعة واربعين عاماً، تمكن من خلالها أن يتجاوز بحكمتـهِ وحنكتـهِ كل المخـاطر والتحديـات ويتمكن من جعل الأردن يرتقي إلى مصاف الدول المتقدمة رغم شـح الإمكانيات ومحدوديتها تلك الرؤيـة الثاقبـة والحنكـة المشـهودة والشـجاعة النادرة التي تحلى بها وسـتبقى الأجيال الأردنية المتعاقبة تسـ?ذكرمناقب الحســين بكل فخر واعتزاز وكبرياء.
فالحســين ليس كأي ملك عرفه التاريخ العربي المعاصر، بل قائد فوق كل هيبـة وجلال القادة، وملك فوق اعتبار كل الملوك، ورجل فوق معاني الرجـال وســيدهم، وجلال هيبة ووقار وحنو وتواضع إنسـاني بأعلى مراتب النســب، يمتد نسـبه الطاهر إلى بيت النبـوة, فالحسـين هو الحفيد المباشــر الثاني والأربعون للنبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وفي السـابع من شـباط عام 1999م كان الأردن–الأرض والإنسان – في وداع الحســين وسـط حشـد من قادة العالم في جنازة وصفت بأنها جنـازة العصر وكان ذلك الحضور دليلاً على مكانة الحســين في دول العالم كافة، ومكانة الأردن واحترام الشعوب له ولقيادتـهِ الهاشـمية.
وخلال سـني حكمهِ كان الحســين، يؤمن بالمبادئ والقيم التي كانت تدعو إلى السـلام والتسـامح والوفاق والمسـاواة والعدالة حتى تمكن من جعل الأردن نموذجاً ومثًال يحتذى به في الوسـطية والاعتدال.
ومنذ أن تسلم جلالة سـيدنا الملك عبدالله الثاني الرايـة، وهو يواصل المسـيرة بكل حكمـة واقتدار، حيث اسـتطاع بفضل سـعة افقـهِ وحنكتهِ ودرايتهِ التعامل مع الأحـداث الإقليمية والدولية التي شـهدتها المنطقة، بكل حكمـة وعـزم وحـزم، حتى أصـبح الأردن محط إعجاب وتقدير دول العالم نظراً لإصرارهِ على الانجاز وتوفير الحياة الكريمة لأبنائهِ.
كما يشـهد الأردن نقلة نوعية في مختلف مجالات التنمية الشـاملة، ويحرص جلالة سـيدنا على التواصل مع أبناء شـعبه ويطلق على الدوام مبادرات تنموية تسـتهدف دفع العملية التنموية نحوالأمـام، والتركيز على مشـاركة جميع القطاعات خاصة الشـباب والمرأة في مجالات التخطيط والتنفيذ، وقد أرسـى جلالته علاقات قويـة ومتينة مع دول العالم، ما انعكـس على متانة الأقتصاد الأردني وســمعة الأردن الدولية، وليبقى الأردن كما أرادتـه قيادتهِ الهاشـمية الحكيمة، منارة حـق وهدايـة وتطلع نحو غـدٍ أفضل بعون الله.
ســتبقى بقلوبنا هذه الذكرى التي أرادهـا جلالة الملك عبدالله الثاني أن تبقى خالدة خلود الوطـن، للعطاء والبذل والتضحية، وبهذه المناسـبة إذ نجـدد العهد والـولاء لوارث العرش ورمزاً الهاشــمي جلالة الملك عبدالله الثاني المفدى، وكلنا عزم للمضي خلف قيادتـهِ جنوداً أوفيـاء مسـتذكرين دور الحسـين الباني في تأسـيـس نهضة الأردن الغالي فبعهدِ الحسـين أصبحت عمان عاصمة للوفاق والاتفاق والتنسـيق العربي المسؤول، والداعية دوماً
إلى مبادئ العدل والسـماحة وكرامـة الإنسان، وتسـتمر المسـيرة بعهد جلالـة الملك عبدالله الثاني كما أراد الحسـين، داعين الله ان يغفرللحسـين ويجعل قبره روضـة من رياض الجنة لقاء عمله الطيب تجاه وطنه وشـعبه وأسـرته الكبيرة، وان يمد في عمر جلالـة ملكنـا عبدالله الثاني المفدى وولي عهدهِ الأمين صاحب السمو الملكي الأمير الحســـين المعظم، وان يوفقهما بمسـعاهما الطيب نحو تعزيز مسـيرة البناء والنمـاء والحرص على تقدم الوطن ومنعتـه من كل المخاطر، والله الموفق وراعي المسـيرة المباركـة.