كتاب

القوة والإنسانية.. أين نقف وماذا نفعل؟

كشفت آلة الحرب الصهيونية الغاشمة الفارق الشاسع بين المقولات الإنسانية وحقيقة الحرب المتوحشة، وظهر كثيرون ليؤشروا بأصابع الاتهام إلى الغرب الذي يتبنى مجموعة من المبادئ التي لا تنطبق علينا، ويرانا بشراً أقل ويقبل ما يحدث لنا دون رادع من ضمير.

أدرك بشاعة ما يحدث اليوم، وأدرك فظاعة الجريمة المرتكبة بحق أهل غزة، وأدرك أن غرف صناعة السياسة والقرارات العالمية تفتقد في كثير منها لمنظومة أخلاقية إنسانية، ولكن ما يحدث اليوم من جرائم بحق الإنسان ويتناقض مع القواعد الإنسانية يدفعني للسؤال الصعب، هل نختلف عن عدونا؟

قد يبدو السؤال استفزازياً، وأني أرغب من خلاله أن أحرف مسار النقاش، في وقت يجب التركيز فيه على الجرائم التي تقوم بها الصهيونية العالمية على أرضنا، وما يفعله صانعو القرار العالمي من دعم أو صمت يثير الاشمئزاز، ويسفك آخر ما تبقى لهم من ذراع إنسانية.

ولكن ما جعلني أفكر بهذا السؤال الإشكالي هو استعادتي لما حدث خلال فترة وعيي ومشاهدتي المتيقظة لما حدث حولنا وفي العالم خلال ربع قرن مضى، وأعيد تقييم موقفنا الأخلاقي مما حدث، وربما ما زال يحدث.

حين ضُرب برجا التجارة العالمية في نيويورك احتفل عدد كبير من العرب بهذه الضربة، ورأوا فيها عقاباً لإمبراطورية الشر الأميركية، ولم يهتم من احتفلوا بالضحايا المدنيين الذين ذهبوا ضحية هذا الفعل.

وحين حدث ما سُمي بـ «الربيع العربي»، قام النظام السوري بقتل المدنيين وتهجيرهم من أماكن سكناهم، وكثيرون منا لم يعبأوا بالكوارث الإنسانية التي حدثت، وما زالوا مناصرين حتى الآن للنظام السوري، رغم نزوح نصف السوريين، وهجرة ثلثهم بسبب فظائع النزاع المسلح داخل سورية.

وحين ظهرت (داعش)، وقامت بحملات الذبح العلني للمدنيين، اكتشفنا أن عدداً كبيراً منا ناصر (داعش) ورأى أنها صاحبة حق، وما يفعله مقاتلوها لا يثير لديهم حساسيتهم الإنسانية.

في ظل ما سبق أشعر أننا لم نلتزم بالمنظومة الأخلاقية الإنسانية التي ننادي بها اليوم، وهو أمر يجب أن نتوقف عنده لنسأل، هل من يشعر أنه يملك القوة ينسى منظومة المبادئ الأخلاقية التي تعقلن تلك القوة، وتضع حدوداً لها كي لا تُهدر إنسانيتنا؟

الهجوم الذي يشنه كثيرون على الغرب كونه لا يفعل ما يدعيه من شروط إنسانية، ينظر للغرب كلاً واحداً ولا يفرق بين من هم في السلطة ومن هم ليسوا كذلك، ففي حين نرى قادة دول غربية مؤيدين للطغمة الحاكمة في الكيان الصهيوني، أو صامتين صمت القبور عن جرائمه ضد الإنسانية، فإننا نرى الآلاف يتظاهرون في شوارع المدن الغربية رفضاً لهذه الجرائم.

كما أننا ننسى أن تصنيفنا للأفعال المرتكبة من قبل القوة الصهيونية الغاشمة بحق أهل غزة بأنها جرائم حرب تستند إلى منظومة صنعها الغرب نفسه، وسنها كمنظومة عالمية قابلة للتطبيق على كل إنسان، وهو ما يوجب علينا أن نوجه خطابنا نحو السلطات التي ترفض تطبيق المنظومة العالمية لحقوق الإنسان وللقانون الدولي الإنساني.

ومن الضروري أن نسأل أنفسنا مرة أخرى، هل نؤمن حقاً بمنظومة حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وهل نطبقها إذا كنا في مركز قوة في مواجهة أعدائنا وخصومنا، أم أننا نطالب بها حين نكون الطرف الأضعف، ونهدرها حين نكون في مركز القوة؟

ما يحدث اليوم في غزة بشع بصورة غير مسبوقة، ولا يوازيه في بشاعته إلا إلقاء القنبلتين النوويتين في هيروشيما ونغازاكي، ولكن علينا أن نتذكر دائماً أننا إذا أردنا تعاطف الآخر معنا، علينا أن نكون متعاطفين معه، وإذا أردنا أن يُطبق القانون الدولي الإنساني ومنظومة حقوق الإنسان في حال ضعفنا أو اضطهادنا من قوة أخرى، فعلينا نحن أن نُطبق نحن المعايير نفسها حين نكون نحن القوة المسيطرة في مواجهة الآخر.

كل ذلك لا ينفي أن القوة الصهيونية الغاشمة ترتكب الجرائم دون وازع من ضمير أو خوف من عقاب، وهو ما يتطلب منا أن نتحرك قانونياً ضدها على المستوى العالمي وليس سياسياً أو دبلوماسياً فقط، ولنحرك دعاوى ضد كل صهيوني شارك في الحرب ضد غزة في مختلف دول العالم، كي ينتصر القانون بقوته وليس استعطافاً للآخرين، لأننا نحن الأقوى إذا ما طبقنا القانون.