توقيت غير بريء تقدمت لتستغله شبكة سي إن إن للقاء الملكة رانيا، لنقل أنه معقد نوعاً ما، وفي توقيت حرج على الأقل، فالحديث لن يتوقف عند التعليم للمستقبل أو حقوق المرأة والطفل أو الطاقة المتجددة وغيرها من المواضيع التي للملكة كلمة مسموعة على المستوى العالمي بخصوصها، والمنعطف تجاه الحديث عن غزة إجباري، والعالم مترقب، وجميع الحديث يمكن استثماره بطريقة أو بأخرى، وكل هذه أسباب كان يمكن أن تدفع بالملكة للاعتذار عن اللقاء.
لماذا يعد خروج الملكة مؤثراً؟ ما هي الحسابات التي دارت في عقل القناة الإعلامية؟ كيف استقبل الاقتراح وكيف تفاعلت الأمور؟
بالطبع لم تكن توجد توقعات لأن تتخذ الملكة موقفاً مغايراً للموقف الأردني الرسمي، والموقف الملكي تحديداً، وخاصة الخطاب مؤتمر السلام في القاهرة والتوصيف المباشر للأعمال الوحشية التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي بجريمة الحرب ليحمل على عواقب اللامبالاة والتقاعس الدوليين، ومع ذلك، كان البحث عن ثغرة للمحافظة على الزخم الإعلامي الذي تحصل عليه الإعلام الغربي لمصلحة رواية الجانب الإسرائيلي، ثغرة يمكن أن تفلت في لقاء مباشر، رهان على اللياقة والتركيز، ولكن يبدو أن القراءة أتت خاطئة منذ اللحظة الأولى، لتصبح السي إن إن في م?اجهة خطابين سياسي – إنساني وآخر إنساني – سياسي.
الملكة ليست وظيفة سياسية، ومع ذلك فالملكة رانيا شخصية عالمية لها جمهورها الواسع من المتابعين والمتلقين، ومعظمهم من الطبقات الوسطى غير المؤدلجة، وهي جموع تشكل رأيها تحت تأثير الإعلام وتغيره بنفس الطريقة، ويمكن للشخصية الملكية أن تؤدي دوراً في تعاملها مع هذه الجموع لأنها تمثل نموذجاً ما في المخيلة الجمعية، يستذكر كثيرون الأميرة ديانا ودورها في قضايا عالمية كثيرة، ولكن القصة أقدم من ذلك بكثير، فبعد الحرب العالمية الثانية أبحرت الأميرة إليزابيث مع والدها جورج السادس في رحلة طويلة حول إفريقيا أسست إلى بناء صورة?مغايرة عن المستعمرات ومهدت إلى مرحلة ما بعد الاستعمار في العديد من البلدان، وبالطبع، كان للأميرة قبلها، أدوار في الظهور بين المباني المستهدفة من الغارات الألمانية على لندن والمدن البريطانية.
الظهور العام لملكة الأردن منذ السبعينيات كان يمثل الظهور الأول لفكرة السيدة العربية الأولى، وهي فكرة غربية مهمة وجوهرية، زوجة الرئيس الأمريكي أو الفرنسي شخصية أساسية في الفترات الانتخابية، والغرب مهتم بظهور سيدة عربية في هذه المرحلة، أو من المناسب ظهورها في مبادرة إعلامية جيدة على أية حال، يمكن تفعيلها سياسياً حسب النتائج.
المشهد السياسي المنقسم في الغرب، بين مقرات حكومية متحيزة بصورة مفتوحة لإسرائيل، وشوارع غاضبة تجمع شتات ضمير المتعاطفين مع أهالي غزة، يجد نفسه في فراغ أمام كتلة كبيرة ستقترب خلال فترة ليست بالبعيدة من أجواء تنافس على البيت الأبيض الذي لم يعد في الأيام الأخيرة إلا طرفاً مشاركاً في الحرب، والمطلوب ثغرة أو زلة لسان، والعنوان أتى خاطئاً.
المعدون في شبكة السي إن إن تناسوا معلومة تخرج الملكة رانيا في الجامعة الأمريكية بالقاهرة التي تعد بين الأكثر تسييساً في المنطقة العربية، وفي جيل كان حافلاً بأساتذة وطلاب ناشطين سياسياً كانوا يقودون حياة صاخبة في الجامعة ومنهم دكتور جلال أمين ودكتور خالد فهمي، بمعنى أنها لم تكن طالبة في جامعة عادية أو منفصلة عن سياقات المنطقة والحدث السياسي، وبالتالي، فالتكون المعرفي في هذه البيئة يجعل المتحدث يقف على أرضية جدالات كثيرة حول العلاقة بين الشرق والغرب، أكثر مما توفره الدراسة في جامعات غربية أو عربية خالصة، لأن? يمتلك القدرة على التعامل مع الخطابين بصورة واعية ونقدية،وهو الأمر الذي يفسر خروج شخصيات كبيرة في الحركة القومية العربية من الأمريكية بيروت.
من ثلاثين عاماً على مقربة من الملك عبد الله الثاني، والملك الراحل الحسين بن طلال، ومن تأهيل معرفي وشخصي، تمكنت الملكة من الانتقال إلى خلفية الصراع، مؤكدة أن المسألة تسبق حماس بكثير وستستمر بعدها، لتعيد التذكير بأكثر من ثلاثين قراراً تجاهلها الجانب الإسرائيلي للانسحاب من الأرض المحتلة، والإلقاء بعبء المعاناة على الفلسطينيين لعقود من الزمن.
الخلاصة، دولة فلسطينية حرة ذات سيادة مستقلة، تعيش جنبا إلى جنب بأمن وسلام مع دولة إسرائيل، المسار الوحيد الذي يمكن أن يوصل إلى السلام والاستقرار. تطابق كامل مع الموقف الملكي والوطني والإنساني والأخلاقي والواقعي؟ تعلق السي إن إن: الكثير من المحللين يتحدثون عن هذا بالفعل، ونأمل أن يخرج شيء من هذا القبيل من بين هذا الرماد في هذه الكارثة.
المحصلة في مصلحتنا هذه المرة، الكثيرون يتحدثون، الرماد، الكارثة، تعبيرات بعد توصيفات الملكة تأتي لتكون النقطة الختامية في المقابلة.
كلمات الملكة أتت واضحة ولا يمكن إعادة إنتاجها في ظل تنويعات ودرجات لونية وسطى، قضية بشر يموتون ببشاعة وبأسلوب وحشي ومن غير تمييز وجملة من الانتهاكات للقانون الدولي والإنساني، لا تنويعة نسوية أو عرقية أو دينية يمكن أن تهرب بالحديث تجاه أي ثغرة في موقف أردني متكامل يتشاركه المتظاهرون ورجال الأمن معاً، وبينهما قوام وطن كامل بتاريخه وذاكرته ومستقبله.