لا ينجر الأردن للعبة الدول الغربية الداعمة لاسرائيل باعتبار ما يجري في غزة اليوم قضية إنسانية جوهرها الممرات الآمنة والماء والدواء والغذاء ولذلك لا يكف جلالة الملك عبد الله الثاني عن التذكير دائما بجذر الصراع وهو غياب الحل السياسي للقضية الفلسطينية، في خطابه الأخير امام الجمعية العمومية للأمم المتحدة والذي صادف قبل الحرب بايام معدودة حذر من الانفجار القادم بسبب انعدام الامل وغياب الحل، وفي جولاته الطارئة الاخيرة الى بعض الدول الاوروبية كرر التحذير من المخطط الشيطاني القادم، وكعادته تجاهل العالم المؤيد للاحتلال كلمات التحذير وانساق الى مخطط اسرائيل لجعل القضية الفلسطينية بكامل تفاصيلها قضية انسانية، ثم حدث الانفجار الذي حذر منه الاردن بعدما ضاقت غزة بالظلم وعدم القدرة على الاحتمال أكثر مما احتملت من حصار وقهر، وما زال الغرب المتعامي عن عقود من الاحتلال والفصل العنصري يتعامى عن جرائم قتل المدنيين وتدمير المستشفيات والتهجير على انه قضية انسانية.
يذهب الأردن في تشخيصه لأسباب الحروب كلها في الشرق الاوسط ويشير باصابع الاتهام الى الاحتلال الاسرائيلي للاراضي العربية وغض العالم الطرف عن أطول وأسهل نزاع في العالم اساسه الاحتلال وبزواله يعم السلام المنطقة، الارض مقابل السلام وقيام دولة فلسطينية الى جانب اسرائيل او ما يعرف بحل الدولتين، لكن انتفاض الغرب وعلى نحو يثير الدهشة في هذه الحرب لدعم اسرائيل عندما تعرضت لردة فعل طبيعية على الظلم الذي يخضع نحو خمسة ملايين فلسطيني في الضفة وقطاع غزة لاسوأ اشكال التنكيل والعنصرية، لهو دليل لا يمكن التغاضي عنه على ان هذا الغرب الذي نتعلم منه الديمقراطية والحريات ليس الا حليفاً لاسرائيل مؤيدا لاحتلالها وبطشها بالمدنيين وممولاً لحروبها على العرب في غزة وفي الضفة وفي لبنان وفي اي مكان تخطط اسرائيل لاعادته عقودا الى الوراء بالتدمير او بالحصار.!
لا يخجل الغرب المتحضر عن دعم الاستيطان اليهودي ويساهم بالدعم المالي والسياسي في بناء المستوطنات فوق ارض مغتصبة من اصحابها ويعمل على تثبيت المستوطنين كلما تراخى شعورهم بالامان على ارض مسروقة، ترى الا يكفي هذا لنتأكد من ان الغرب لا يريد اي حل للصراع حتى لو ارادت ذلك اسرائيل نفسها التي ترتكب اليوم جرائم كبرى تعلم انها لن تنهي صراعها مع الفلسطينيين مهما قتلت ودمرت، ولذلك تقاطرت بوارج الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وطائراتها المحملة بالذخائر الى البحر المتوسط، انها رسالة لحكومة الارهابيين في تل ابيب كي لا تتراجع وتواصل حربها.
واليوم بينما تعلو لغة التجهير ومفرداتها فوق اي حديث عن الحلول سواء في قطاع غزة او في الضفة الغربية، ما هي ضماناتنا في الاردن غير تصدينا بكل ما نملك من ادوات لهذه النكبة التي يخطط لها؟ لقد بتنا على قناعة نحن في الاردن أن (اصدقاءنا) في الولايات المتحدة والدول الاوروبية سيكتفون بجعل القضية انسانية وسيقدمون لاسرائيل الحماية والدعم العسكري لتنفيذ مشروعها الصهيوني القديم الجديد. ان من حقنا بل من واجبنا الا نعتمد الا على انفسنا وان نواجه المخطط بالاستعداد لما هو اسوأ من نفاق الغرب ووقوفه الى جانب اسرائيل، هذا الغرب الذي لم يقدم في اي مرحلة من مراحل الصراع العربي الاسرائيلي مشروعاً سياسياً واحداً للسلام او حتى مجرد مبادرة للتباحث حولها، سبب ذلك بكل وضوح انه لا يريد انهاء الصراع ما دامت اسرائيل لا تمانع شن الحروب حسب الطلب وتقوم بدور كلب الحراسة لمصالحه في المنطقة، ما يفعله الغرب لا يحتاج الى دليل فمن ناحية يقدم لاسرائيل كل ما تحتاجه لتدمر وتقتل ثم يقدم لها الحماية اذا تعرضت لأي اعتداء ولو كان مجرد ادانة او لوم في المنظمات الدولية وفي مقدمتها مجلس الامن، ويرفع مندوبو الدول الاستعمارية ايديهم بالفيتو بكل وقاحة تأييدا لجرائم اسرائيل، ثم تستعرض انسانيتها وتشفق على ضحايا الفظائع وتطرح قضيتهم على انها قضية انسانية ما تحتاجه ليس حلولا سياسية وانما مبالغ مالية لدفع رواتب الموظفين في السلطة الوطنية وأكياساً من المعونات الغذائية والدوائية التي عادة ما تمنعها اسرائيل في بداية كل حرب تشنها كي تحصر اي مفاوضات حولها، وهكذا تصبح القضية انسانية لا سياسية ولا احتلال ولا لاجئين ولا مستوطنات وانما جوع وعطش وممرات آمنة، ثم تبدأ المفاوضات على كيفية حماية المدنيين الفلسطينيين ومدهم بسبل البقاء على قيد الحين الى حين شن اسرائيل لحربها القادمة.
يتصدى الاردن بكل قوة لمخطط التهجير لأنه يعلم انه احد فصول الاستعمار الجديد للمنطقة يؤيده داعمو اسرائيل ولا يمانعون أن تطرد أكبر عدد من الفلسطينيين من غزة الى مصر ومن الضفة الى الاردن ويتجرأون على طرح هكذا افكار مقابل عروض مالية، وهذه المؤامرة واضحة وضوح الشمس ولا تحتاج الى دليل، فالدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة دائما ما تبدي شهيتها لتوطين الفلسطينيين في الدول التي لجأوا اليها وتقدم مغريات اقتصادية ومالية من اجل ذلك، واليوم تخضع مصر لاختبار مقاومة هذه الاغراءات بعدما عمل الغرب بكل السبل لاحداث ازمة اقتصادية فيها لماذا؟ لانها الجارة الاقرب الى غزة، ويبدو ان حجم الهجمة الاسرائيلية على غزة والمخطط لها منذ سنوات هي الاجابة عن السؤال ولا تحتاج لاكثر من متابعة تصريحات الزعماء الغربيين الذين يتسابقون لدعم اسرائيل كي لا تتراجع قيد انملة عن مخططها، ولو رغبت إسرائيل بوقف الحرب لوجدت التحريض على مواصلتها.