كتاب

لماذا نتظاهر؟

يتظاهر الأردنيون كل يوم تقريباً منذ بدء العدوان الصهيوني الغاشم على أهل غزة العزل، ومن يرقب المشهد يدرك حالة التعاضد الشعبي مع أهل غزة بأعلى سقوفها، فالأردنيون بكل أطيافهم لايمكن إلا أن يكونوا عروبيين وداعمين لصمود أشقائنا في وجه عدو مستعمر يرغب بتمديد استعماره وتجريف الأرض من سكانها، ويقترف جريمة حرب تلو أخرى، على مرأى من عالم اختار العمى والخرس عن كل جرائم الصهاينة.

تصاعد حالة الغضب الشعبي مما يحدث في غزة الحرة أمر مفهوم على المستى النظري والعملي، فجميعنا نشعر برغبة أن نكون هناك ندافع عن الأرض والإنسان، وأن نقوم بدورنا في الحفاظ على فلسطين وهزيمة عدونا الصهيوني، ولأننا لا نستطيع فعل ذلك على أرض الواقع فإن الحالة الانفعالية تصبح أكبر لدينا.

ولكن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن يتم استغلال حالتنا الوطنية العالية والحالة الانفعالية لجموع المتظاهرين ليتم حرف المظاهرات والمسيرات عن هدفها، من دعم لأشقائنا في غزة إلى مسارات مختلفة، عبر شعارات وتحركات لا يمكن فهمها إلا أنها محاولات لزعزعة الأمن الداخلي، وكل ذلك يصب في مصلحة العدو.

إن أية محاولة لدفع الاردن لدخول الحرب بتوقيت لا يختاره ولا يكون جاهزاً له، هو محاولة هدفها تدمير الأردن، وإنهاء أي مدافع عن القضية الفلسطينية، في طريق تصفية القضية على يد من يدعون أنها قضيتهم، ويستغلون اندفاعة الجماهير وحماستهم، حيث يغلب الصخب وصوت العاطفة على المنطق وصوت العقل.

ولا يمكن فهم دعوة الأردنيين للتظاهر عند الحدود الغربية للأردن إلا أن تكون دعوة مشكوك بوطنيتها، لأنها تهدف نقل الصراع إلى الداخل الأردني بين المواطنين والجيش العربي، الذي مهمته الوطنية والتاريخية حماية الحدود، ومنع التسلل عبرها، منع العدوان على الأردن، وفي هذه الدعوة خرق كامل لكل ذلك، فكيف يمكن لجيش احترافي أن يترك العزل من أبناء وطنه يغامرون أمنياً أمام عدو مسلح، وكيف يمكن ألا يحمي الحدود من كل من يحاول افتعال الحوادث التي قد تقود لحرب.

المناطق الحدودية مناطق سيادية بعهدة الجيش العربي، وكل من يحاول اختراقها أو الاقتراب منها، يمس بالأمن الوطني، وسيضطر حينها الجيش التعامل معه وفق قاعدة الاشتباك المعتمدة، وهو ما يعني اشتباكاً داخلياً وليس اشتباكاً مع العدو.

كلنا أردنيون، وكلنا نؤمن أن هذا الوطن لنا جميعاً، وكل أردني يرى أنه جاهز للموت من أجل فلسطين فإنه بالضرورة يرى أن حياته ترخص للحفاظ على وطننا الأردن، ومن يرى غير ذلك فهو محل سؤال، فكيف يمكن أن ينتمي لقضة قومية وهو لا ينتمي لوطنه؟.

التفاف الأردنيين حول قيادتهم في موقف واحد تجاه ما يحدث في غزة، وتعظيم صوت جلالة الملك وسمو ولي عهده في جرأة القول وصوابيته، عبر مخاطبتهم العالم، هو ما يقلق الصهاينة، الذين لا يرغبون بحضور صت العقل والمنطق والقانون الدولي الإنساني، لأن هذا الصوت يعريهم، ويضعهم في خانة مجرمي الحرب، بصورة لا يمكن إنكارها.

وكل دعوة تؤدي إلى تفريق الصف الوطني والإساءة إلى اللحمة الوطنية وعدم احترام دور أبنائنا وبناتنا في الأمن العام والجيش العربي، هي دعوة تخدم العدو، وترغب في إحداث تصادم داخلي يحول الأنظار عما يحدث في غزة إلى ما يحدث في الأردن، ومحاولة لإفشال ما يقوم به جلالة الملك على المستوى الدولي لنصرة غزة هاشم وأهلها.

وقبل كل تحرك أو مسيرة أو مظاهرة يجب أن نسأل لماذا نفعل ذلك.. وليكن جوابنا نصرة لغزة وحباً بالأردن.