يشهد الأردن تمازجاً مذهلاً بين الموقفين الشعبي والرسمي في الحرب التي يشنها الصهاينة على قطاع غزة، مستهدفين إنسانها وشجرها وحجرها، واستطاع الأردنيون، بمختلف مشاربهم، أن يقفوا صفاً واحداً لدعم فلسطينيي غزة، ويسطروا موقفاً تاريخياً شهدته شوارع عمان والمدن الأردنية كافة.
وبنزول عشرات الآلاف للشوارع دعماً لصمود أهل غزة في أرضهم في مواجهة جرائم الحرب التي يرتكبها العدو الصهيوني بحقهم، وفتح باب التبرع والدعم لأهل غزة، تجلى الدور الأردني الشعبي في هذا الاستحقاق القومي.
وعلى المستوى الرسمي، ظهر الموقف الأردني بوضوح وجلاء، داعياً لوقف الحرب وفتح ممرات للدعم الإنساني لأهل غزة، ووصف جلالة الملك عبدالله الثاني ما يحدث في غزة بجريمة حرب، حيث كان توصيفه واضحاً بعيداً عن المواربة، ففي الدبلوماسيات التقليدية يأتي الوصف أن ما يحدث يرقى ليكون جريمة حرب، ولكن جلالة الملك لم يستخدم تلك الطريقة، وأعطى ما يحدث وصفه القانوني وفق القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي، وهو ما ابتعدت عنه المنظمات الدولية المنادية بحقوق الإنسان.
جريمة الحرب تنطبق على كل الهمجية الصهيونية بالحرب، بما فيها محاولات التهجير القسري للغزيين من شمال القطاع إلى جنوبه، في محاولة لخلق أزمة إنسانية على معبر رفح للضغط على الجانب المصري إنسانياً وشعبياً.
وحدة الجبهة الداخلية الشعبية والرسمية ترسم لوحة وطنية نفاخر بها الدنيا، ولكن ذلك لا يعني أن البعض الكاره للأردن يرغب بتشويه تلك اللوحة، عبر ادعاء بارتفاع منسوب الروح الوطنية والقومية لديه، ومحاولة زج الأردن في صراع تحت شعارات دعم أهل غزة، ورغبته نقل الصراع من صراع مع العدو الصهيوني إلى صراع واحتراب داخلي.
ثمة قول عربي مأثور وهو أن الطريق إلى جهنم مرصوف بالنوايا الحسنة، فمن يحاول استغلال الحالة التعاطفية الأردنية مع أهل غزة عبر الطلب من الأردنيين الوصول إلى الحدود الغربية في الأغوار، مدعياً أن ذلك يفتح حرباً جديدة على إسرائيل، يدرك أن ما يتمناه هو اصطدام حماة الوطن بإخوتهم وذويهم، ويرغب في إخفاء حقيقة أن حماية المواطنين العزل واجب على كل عسكري، ومن يمنعنا الوصول عزلاً للحدود يحمينا من بطش حاقد صهيوني، يقف على الحدود مسلحاً.
ومن يقرأ ما بين السطور، بعيداً عن دخان العاطفة الذي يمنع العقل من قراءة المشهد، يعرف أن الهدف افتعال حرب جديدة، في توقيت حرج، ويساعد الصهيوني على تنفيذ حلمه بترحيل أشقائنا الفلسطينيين إلى الأردن كي تخلو له الأرض التي لا حق له بها.
إنها خيانة للوطن وللقضية الفلسطينية، ومن منا يرغب أن يسير على درب الخيانة وهو يعتقد أن يسير على درب التحرير؟.
من تابع جلالة الملك عبدالله الثاني وهو يعمل على منع تمدد الحرب، وحماية الغزيين في أرضهم وتثبيتهم عليها، عبر حواره مع قادة العالم والمسؤولين الدوليين، يدرك حجم التضامن مع أهل غزة، ويعرف حجم الدراية الملكية بخبث النوايا الصهيونية، فكيف لنا تحت شعار دعم أهل غزة خذلانهم وخذلان وطننا ومليكنا؟.
جيشنا العربي المصطفوي قابض على الجمر على الحدود، ولكي لا ننسى، فنحن نخوض حربنا في
الشمال والشرق ضد عصابات تهريب المخدرات والسلاح، وما زال أسودنا من جيشنا الأبي يقدمون الغالي والرخيص كي يمنعوا عنا الشرور وننام آمنين، وما زالوا يحمون حدودنا الغربية من أي اختراق، وما زال جيشنا هناك في غزة، تحت القصف والتهديد، صامداً لا يغادر، يطبب أهل غزة ويمارس واجبه الوطني والقومي على أكمل وجه.
فمن منا اليوم يخذلنا، من منا هو حصان طروادة الذي سيتجرأ على خيانتا من الداخل، وتسليم هذا الوطن المنارة لقمة سائغة لأعداء الوطن والأمة.
نقف كتفاً إلى كتف في شوارعنا دعماً لأهل غزة الأبطال، ولنتذكر أن الأردن القوي الآمن المكين هو خير سند لأشقائه العرب في أزماتهم، وكل من يحاول أن يضعف هذا الوطن بدعوات شيطانية تحت شعارات الوطنية والقومية والدينية ما هو إلا خائن للوطن والأمة.