لم تنمح للآن جريمة مدرسة بحر البقر باستشهاد ٣٠ طفلا عام ١٩٧٠ وعامرية العراق مقتل ٤٠٨ عراقيين وعناقيد الغضب جنوب لبنان ١٩٩٣ وضحيتها ٥٠ طفلا من الذاكرة.
وعودة للتاريج الإجرامي طويل الأمد، الذي نفذته عصابات اليهود يرسم لك دوراً إن كنت مهموماً وقلقاً حول مصير الشعوب المقهورة المغلوبة على أمرها والفاقدة أملاً ولو بصيصا بالحياة كغيرها من شعوب البشرية، التي حيدت نفسها عن العنف والفوضى والحقد الأعمى.
ولهذا انطلق الملك عبد الله الثاني، بجولة في أوروبا في أربع دول ذات دور حيوي، وترتبط بالأردن بعلاقات استراتيجية تبادلية متفهمة لدور المملكة المحوري، فيما مر ويمر وسيمر بالمنطقة، وما يلازم الملك من دور سياسي تاريخي.. اثبتت الأحداث المتتالية أن مهماته لا ينازعه أحد عليها، ولها صدقية واضحة آخاذة، مبتدأ حراكه الدبلوماسي بالوطن غداة الحرب، على غزة ليجسد قيما إنسانية من صلب تاريخ أسرته المالكة، على مر الأجيال.
نحن الان أمام وحشية جديدة ومن طراز جديد بطلتها غزة هاشم محرقة الفلسطينيين، والتي يراد لها أي غزة أن تكون قفرا وخالية من مواطنيها، ومطواعة وفاقدة بريقها، لكون الخروج الإسرائيلي منها بمثابة هزيمة سكانية مدنية، أجبرت المحتل على الرحيل تجنباً للانكشاف وعدم قدرته على تحمل المسؤولية وإدارة دفة غزة للنسبة العالية للتكاثر والنمو السكاني الاضخم بالعالم.
لم يكن الأردن، إلا الأقرب لآلام وآمل الفلسطيني وطيلة حراكه الدبلوماسي السياسي إلا أمينًا لثوابت مستجدة متراكمة مركبة منها الحيلولة دون انفلات الأوضاع الأمنية ونزوح فلسطيني متتال، ودول المنطقة مبلية من النزوح واللجوء وخذلان الموقف الدولي، وأيضا الاقليمي والإسرائيلي المتورط بالمذبحة يحاول، أن يعبث بأحد أهم واخطر ثوابت الأردن الروحية الادارية.. الوصاية الهاشمية.
ينطلق الملك وهو مدجج برغبة قومية وبحس هاشمي شفيف نحو المذبحة الكبرى التي حذر منها مراراً وتكراراً وكانت غزة كقطعة من الأردن ونصب عينيه جل اهتمامه سياسياً وانسانياً وصحياً، واهتمام بالغ ينبع من حرص جولة الملك لوقف شلال الدماء في غزة، ومنع امتدادها إلى الضفة الغربية والحيلولة دون ترحيل الأزمة لدول الجوار ومفاقمة قضية اللاجئين.
ندرك ويدرك العالم الغربي وشعوبهم أن الملك الأكثر معرفة وإدراكاً للغة والاسلوب والعقلية ومفاهيم حقوق الانسان، وما يقض مضاجع الغرب، ما يوفر لجلالته متسعا من حوار ونقاش ومخاطبة الرأي العام الغربي بكل أدواته «أن حماية المدنيين واحترام القانون ورفض سياسة العقاب الجماعي وإدانة استهداف المدنيين الأبرياء ودون تمييز»، هي اعمدة الحكم الدستوري العرفي المدني القانوني التي اقيمت على أساسه دول وممالك وانظمة اميرية وجمهوريات ديموقراطية وما زالت شرعية الماجنا كارتا (أول وثيقة للحريات) هي مسارات الحياة والسياسة وادارة المؤ?سات..
ربما هذا المخاطبة الملكية والخطاب الأردني يعقلن سياسات أوروبا عن بكرة أبيها لكل مجريات الصراع الدموي، الأمر الذي دفع بالأردن «قيادة وناساً» لرفض الابادة ونقض التفاهمات ومعاهدات السلام.
لا ولن يتخلى الاردن عن فهمه للمجزرة التي اندلعت أمام أعين العالم برمته، فالجريمة جريمة والتهجير الذي أصابنا غير مرة وتغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في مقدسات القدس. لا يضر إلا الكاره الحاقد المستبد الاستعماري الجديد والقاهر لحق الشعوب في الحياة، ويدفع بسيادة اللاحرب واللاسلام التي عانت منها ليس شعوب الاقليم بل العالم قاطبة في كل حروب دوله وانظمته.
أردنيا وربما عربياً نرى والذين يرون سياسات الأردن وإدارته لأزمات المنطقة بتشعباتها وعقدها المركبة، أن الجولة الملكية التي حركها حكمة ملك وضمير اردني حي، وهي انعكس حيوية على اتصالات ملكية انطلقت من عمان والقاهرة وررام الله والامارات والعراق والسعودية وقطر... منحت الملك إنابة عربية وتوكيلا من الزعامات العربية شكلت إداة قوية وفاعلة لحراكه مع الغرب.
الغرب الذي تناثرت صورة عدالته المؤمن بها، والحق الذي لطالما نثرت رذاذه في مشارق الأرض ومغاربه، والتاريخ المعاصر الحاضر شاهد عيان عما نستشهد به ونقوله في وضح النهار وفي عتمة الظلام.