لا يمكن أن نحقق السلام من غير أن يحصل الفلسطينيون على حقوقهم، هذه وجهة النظر الأردنية، السلام سيجلب حقوق الفلسطينيين، هذه وجهة نظر أخرى طرحت في السنوات الأخيرة وأصبحت تحرك العلاقات بين العديد من الدول العربية و(إسرائيل).
الفرق واضح، ففي المقاربة الأردنية التي تصر على حل الدولتين، توجد وقائع ستتشكل بناء على القرار 242 وبما يضمن استقلالاً فلسطينياً وتراجعاً عن الفعل الاستيطاني المتواصل، أما المقاربة الأخرى، فلا يوجد تصورات واضحة حول الحقوق الفلسطينية والتي يمكن أن تختزل في مجرد الحصول على الحق في العمل اللائق، وهذه حقوق يمكن وصفها بالإنسانية الأساسية، وليست حقوقاً وطنية على أية حال ويفترض ألا تكون متعلقة بالسلام أو أي حديث عنه، وألا تعتبر إنجازاً على أي طاولة للتفاوض.
المرحلة الراهنة تؤكد صحة المقاربة الأردنية، ويمكن القول من خلال متابعة الأسابيع الأخيرة أن عملية طوفان الأقصى لم تكن مفاجأة لأحد، النجاح الكبير هو المفاجأة، أما التحرك نفسه فكان متوقعاً.
أروقة الأمم المتحدة لم تكن مريحة، والنشوة الإسرائيلية بطريق الهند الجديد دفعت إلى ما يشبه التجاوز المريح للسؤال الفلسطيني بشكل كامل، وعندما طرحت الأردن، في خطاب ملكي، الضرورات الملحة تجاه القضية الفلسطينية ربما أتت الانطباعات أن الأردن يعيد الضوء تجاه الوضع في فلسطين لأنه لا يمتلك أوراقاً أخرى، وغير ذلك من التفسيرات الاختزالية المريحة للبعض، ولكن ما كان يتفاعل، بصمت وغموض، لم يلبث إلا أن أتى بصورة تفجر متسارع للأوضاع، ومحرج للغاية للعديد من الأطراف، محرج إلى درجة ضرورة تغطيته وتمويهه بترسانة من الأكاذيب عل? أعلى المستويات لدرجة تبنيها على مستوى البيت الأبيض نفسه.
التهجير الناعم أو الخفي أمر واقع في الأراضي الفلسطينية، والأردن يتابع ذلك عن كثب، ويستشعر آثاره وتفاعلاته، وتوجد تفاصيل تختص بصراع مبطن حول هذه المسألة، والسلوك التهجيري يتصف بالنهم في طبيعته ولا يوجد له نهاية، ولنتحدث صراحةً، ففي حالة القبول بعملية التهجير، فذلك سيعني دولة قائمة على أسس توراتية تعتقد بالتفوق المطلق وتقودها مجموعة من المتعصبين والمتطرفين، وستكون بشكل دائم بحاجة إلى مزيد من الأرض، وسيغري النجاح في التهجير إلى إطلاق عقيدة جديدة تسعى إلى التوسع مباشر وغير مباشر.
الدولة الفلسطينية التي كانت جوهر حل الدولتين، هي خط الدفاع المتقدم لتقييد التوتر بين الفلسطينيين و(إسرائيل)، وإنجاحها يفترض أن يكون واجباً وضرورةً ومصلحةً عربية، أما الدفع بغير ذلك، فإنه سيحول ما يحدث في غزة إلى افتتاحية فصل جديد من الصراع، مرحلة أخرى لا يمكن أن يعلم مداها أحد، فخلط الأوراق بصورة وقحة، واستدعاء النازيين والداعشيين والهولوكوست وقطع الرؤوس، ينذر بأن المستهدف من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة يتجاوز بكثير سقف العمليات السابقة.
عندما يبدأ البحث عن الدراما في خلفية أي مشهد عالمي، ويتم استدعاء التعاطف إلى درجة الابتزاز، فالمستهدفات لا تتوقف عند تغيير تفاصيل تكتيكية، وتمتد إلى تحولات جذرية، والعالم يبدو مستعداً لهذه النوبة من الأحداث فما يجري في غزة نتابعه لفظاعته وكارثيته، ولا يجعلنا ذلك نتناسى أن تغيرات على أرض الواقع يمكن أن تحدث في سوريا والعراق، وخاصة في المناطق الكردية، ولا نتناسى أيضاً حرباً خاطفة أدت إلى تغيير عميق في أذربيجان وأرمينيا قبل أيام، ولا دولاً جديدة يمكن أن يرشح عنها القتال بين روسيا وأوكرانيا.
توجد فرضية أساسية ربما من المناسب مراجعتها، خاصة وأن أجواء تحشيد الأكاذيب يذكر بمرحلة ما قبل غزو العراق 2003، وهي حقيقة وجود الرغبة الأميركية في منطقة هادئة ومستقرة؟ هل هي رغبة حقيقية؟ وإذا تمكنوا من تحقيق ذلك اليوم، فأين يمكنهم ترحيل فائض الأزمات في العالم؟
المهام كثيرة، والمستويات متعددة، والأدوار متنوعة، والاحتمالات مفتوحة، حيث التصعيد يمثل أزمة ثقيلة، وتخفيف التصعيد يولد مشكلة معقدة، لأن ثمناً يجب طرحه على التفاوض وملامح التسوية ستتغير على أساسه، والأفضل، هي سياسة تجاهل المرحلة المقبلة على المستوى الرسمي والأداء الدبلوماسي، بمعنى خلق قناعة بأن شيئاً لم يتغير، وأن حل الدولتين هو المخرج الوحيد، أما على المستويات الأخرى، فمن الضروري تدارس جميع السيناريوهات الممكنة تحت خط أحمر واحد وهو رفض فكرة التهجير جملةً وتفصيلاً، وبناء جبهة وطنية تستطيع أن تتعامل مع العاص?ة التي تستقطب الجبهات الهوائية المضطربة في مركزها.
الاقتلاع الخشن للفلسطينيين من أراضيهم، وإنهاء القضية على أساس الأمر الواقع، سؤال لم يكن مطروحاً بمثل هذه الطريقة من قبل، ويبدو أنه أصبح الخيار الإسرائيلي الوحيد في هذه المرحلة، والتساؤل حول استراتيجيات المواجهة لا يمكن تأجيله.