كتاب

ما وراء الثقة وما قبلها.. لنتوجه بالسؤال إلى المعني الحقيقي

تفترض التفاعلات على هامش قضية مطعوم الأطفال في المدارس انه وبمجرد تداول مجموعة من رسائل التشكيك في المطعوم بدأت سلسلة من ردود الأفعال، وتعاطت وسائل الإعلام مع الموضوع، وبدأ التراشق حول الأمر.

هذه ليست الحملة الأولى من نوعها، والمعطى الجديد يتمثل في حالة عالمية أنتجتها مرحلة الوباء والجدل المتواصل حول اللقاحات والتي وصلت في بعض الدول للتمرد والتظاهر، والبشرية بأكملها تعاني من مرحلة توتر لم تعهدها منذ عقود من الزمن، والضغوطات امتدت من الفردي نتيجة البقاء في المنازل لأسابيع والخوف من المآلات على مستوى الأسرة والعمل، لتعبر عن نفسها في أزمة تضخم عالمية تترافق مع حرب مرشحة للتوسع مع عودة الاستمراء لمقولة السلاح النووي.

الأمر لا يتوقع عند هذه المقدمات، وربما يتذكر أبناء المرحلة السابقة على مواقع التواصل كيف كانت بعض الكتب عن الماسونية والمؤامرة العالمية من يد إلى أخرى ليقرأها البعض ويقتنعون بأفكارها ويعيدون إنتاجها في بعض الجلسات الخاصة، وهذه الكتب الصفراء أصبحت اليوم تقفز أمام الجميع على صفحات التواصل في صورة منشورات أو أفلام قصيرة، ويتناسى المتلقي أن الأشرار لا يدونون محاضرا لخططهم الشريرة، كما أنهم لا يعترفون بأنهم أشرار من الأساس.

المسألة كما يظهر ليست في الثقة، ثم من الذي يقول بأن الثقة مطلوبة بين المواطن والحكومة من الأساس، ولماذا علي أن أثق في وزير الصحة شخصيا، وما الذي يعنيه ذلك؟ أي حكومة في العالم يمكن أن تصل للحكم من خلال تصويت أغلبية محدودة أو من غير أغلبية في الحالات الائتلافية، بمعنى أن قطاعات واسعة من المواطنين لا ينتخبون الحكومة ولا يمنحونها الثقة.

هل يعني ذلك الانتقال إلى الصراع الاجتماعي والجدل المتواصل حول كل قرار وأي قرار، بطبيعة الحال، ليس هذا ما يحدث، فالحكومة تعمل على توفير بيئة العمل لمؤسسات حيوية وأساسية، وهذه المؤسسات هي التي تحظى بالثقة من المواطنين، لأن انعدام الثقة يعني استحالة العيش، ولو تغيبت الثقة عن مؤسسة الغذاء والدواء فالخوف سينتقل من تلقي لقاح للحصبة إلى شراء دواء للصداع أو مجرد قطعة حلوى لأحد الأطفال.

المؤسسة المعنية وقفت في وسط الاشتباك، في وقت كان يفترض أن تخرج بحسم وتعلن أنها وبعض النظر عن أي اعتبار لن تسمح ولن تتهاون في دخول أي لقاح غير آمن للمملكة، وبذلك يمكن أن تمثل الغطاء الفعلي وتستحوذ على الثقة، أما تصريحها بأن الدواء غير مسجل لأسباب إدارية فخطوة غير موفقة ولا تمثل أي تعبير عن القيادة وإدارة الأزمة، فالتصريح مجرد خبر ووصف للحال لا يقدم ولا يؤخر، وأي موظف بيروقراطي يمكنه أن يصدر ذلك التصريح.

أثناء أزمة كورونا خرجت شخصية الدكتور أنتوني فاوتشي ليتحول إلى الشخص الأقوى في الولايات المتحدة، هو يمثل مؤسسة موثوقة وتستطيع أن تحمل المسؤولية، وكل الهجوم والانتقاد لم تجعله يخرج عن هدوئه، وكانت تلك الأيام العصيبة تشكل موعده مع التاريخ، وهذه النوعية من الأشخاص تبقى مجهولة بالنسبة لمعظم الناس في مسيرتها، ولكن مجرد خروجها يعني توجها حاسما ونهائيا.

المواطن ليس معنيا بمسيرة الأوراق والمستندات بين المكاتب، ولا يحمل بمصفوفة الصلاحيات والإجراءات الداخلية في محفظته، هو يعرف مؤسسة تمتلك تاريخا في أداء دورها وبصورة استطاعت من خلالها أن تكتسب ثقته، وليس من مصلحته من أجل حياة طبيعية وخالية من المنغصات والمخاوف أن يعتقد بخلاف هذه الثقة، فأين كانت هذه المؤسسة ولماذا تركت كرة الجليد تتدحرج لتقارب من صناعة أزمة مجتمعية وأن تسحب من أرصدة كيانات ومنظومات أخرى.

ليس ضروريا على المؤسسة أن تبقى سلبية في قضية تتفاعل على اعتبار أنها جزء من عملية وليست مسؤولة بصورة متواصلة وكاملة عن جانب يتعلق بحياة المواطنين وسلامتهم و(راحة بالهم)، والخروج المتأخر لرئيس المؤسسة وتصريحه بأنه سيعطي أبناءه اللقاح كان يفترض أن يقطع الطريق ويوصد باب التراشق من البداية، ولكنه فرصة لنتأمل في كينونة المؤسسات ومسؤوليتها تجاه الثقة العابرة للحكومة لأنها أساس الدولة وروافعها الحقيقية.