من المفارقات في حياتنا التي قد نمارسها في حقّ غيرنا، ولا نرضى أن تمارسَ علينا، ومع ما نتمتع به من مبادئ وثقافات، نجد أنّ هناك مَن يحكم الآخرين من خلال الصورة النمطية التي تتشكل عنهم من خلال المسموعات، والمعضلة تتشكل عندنا حينما نتناقل تلك المسموعات دونما تمحيص أو تأكد، وتلك ثقافة تؤخر ولا تقدّم، وتهدم ولا تبني.
وإننا بعين الناقد البصير، نحتاج إلى العديد من المراجعات لما يتطلب منا في مراحل المنافسة بيننا كأفراد أو مجتمعات أو دول، لأنّ الأفراد هم جزء من مجتمعاتهم، وتلك المراجعات نحتاجها كيْ نتعرّف على الطريق الذي نسلكه، إلى أين يوصلنا وإلى أين وصلنا فيه.
ومن باب الشفافية، وأنّنا بحاجة إلى إلقاء الضوء على ما هو حسنٌ في مجتمعنا الأردنيّ فائق الحسن والجمال بأخلاق أبنائه، وإعطاء الصورة الحقيقية على كثير من مؤسساتنا الوطنية، ومن باب الشكر والعرفان لكلّ الذين يبذلون الجَهدَ في خدمة الإنسان والوطن، أيًّا كان موقعهم على امتداد تراب الأردنّ، فإنني أجدني بين الفينة والأخرى أبذل بالقلم والكَلِم ما يجسّد تلك الصور النقية لوطننا وأبنائه النبلاء، بعيدًا عن الذين يطلقون العنان للانتقاد بألسنة حِدادٍ، فلا ترى منهم سوى القتامة، مع أننا بحاجة إلى ديمومة الفأل والأمل.
قبل أيامٍ قليلة كان الظرف يتطلب مرافقة مريضٍ كبير السنّ إلى أطباء العيون المختصّين في القطاع الخاصّ، إلى أن قرر الأطباء عددا من الإبر بكلفة عالية جدًّا، فنصحَ المريضَ طبيبان –مشكوريْن- بالذهاب إلى القطاع العام، وأنّ تأمين كبار السنّ يشمله وأنّ العلاج متوفرهناك.
قررت مرافقة المريض ومرافقيه، لأتعرف عن كثب ما يمكن أن أراه في القطاع العام، فوفّق لنا الذهابُ إلى مستشفى البشير – قسم العيون، ورأيت بعيني ما يسرّ النّاظرين، ومع ثقتي البالغة بالقدرات والخبرات الأردنية، إلا أنني هذه المرّة، رأيت مواقف متعددة لم أكن قد ألِفتها من قبل، ومنها:
أولا: النشاط والهمة عند الموظفين والمراجعين على حدّ سواء، فقبل الساعة الثامنة كان قسم الاستقبال قد استوفى الشرح والفحص لأكثر من ثلاثين حالة، وبدأ الدخول على أطباء العيون.
ثانيا: صبر المراجعين، بدرجة أذهلتني، فلا صياح ولا تعدّ على الأدوار، ولا دخول من الباب الجانبيّ، وصالات الاستقبال تتسع للجميع.
ثالثا: دخلت الحالة التي أرافقها، فارتأى الطبيب تحويلها إلى طبيب أعلى في التخصص، وإذ به ينتقل من مبنى إلى آخر لشرح الحالة على أرض الواقع للطبيب المختص، ثمّ الفحص الأكثر دقة.
رابعا: تشخيص الحالة بدقة عالية، فقد زاد على الذي قاله أطباء سابقون، في واحدة تحسب لهم، وبكلّ اهتمام تمّ إعطاؤنا موعدا بعد أيام لتطلب الحالة السرعة القصوى، والتقينا الطبيب المختصّ، وموعدا آخر لمختصّ آخر، ضمن سلسلة من الاهتمامات، والمهنية البالغة.
خامسا: المعاملة فائقة الجودة مع المراجعين من قبل الأطباء والممرضين والكادر عموما، ولأنهم يتعاملون مع كبار السنّ، فلا تسمع منهم سوى: يا خالتي، يا عمّي. والمعاملة الطيبة كهذه جعلت من المراجعين يمتثلون للتعليمات، في صبر يؤكد على الرضا عن النتائج المُرْضية.
وأخيرا..
نحن لا ندّعي الكمال، لكننا نسعى إليه، وإن لم نقدر على رأب صدع فلا نصدع ما رأبه المدّون، والنقص يعترينا معاشر البشر غير أن صناعة صورة نقية لبيئة مفعمة بالأمل، هو إنجاز لمن يعرف حقيقة الإنجاز.
وهنا.. هل نحن أمام واجب العناية بالكلمة قبل إطلاقها على غاربها، بحيث تؤذي الصالح والطالح؟. أم نحن أمام واجب مراعاة الوظيفة العامة فنتخذَ من ديننا ومبادئنا قدوة لخدمة الآخرين كالذي رأيته في مستشفى البشير- قسم العيون؟ مع ثقتي بوجود الكثيرين من أمثالهم.
فها هو الوطن.. بحاجة إلينا لنخدم فيه، ونبني فيه، ولا نؤذي فيه، فهو منا ونحن منه، بل قل: الوطن نحن ونحن الوطن. وسلامة لعيون الذين يهنأون براحة الوطن ولو تعبوا لأجله.