كتاب

ضوء.. الإنسان في حِكم التراث

حين تقرأ التراث العربيّ بعناية واهتمام وعمق، تدرك أنّ هذه الحِكم والتجارب لم تأت عفو الخاطر؛ وإنما تجارب طويلة وخبرات حياتية متراكمة بعد دراية وتفكير، وَضعَت هذه التجارب في أمثالٍ وحِكم ما زالت متداولة، نُقلت فيها عادات الناس وتجاربهم وتقاليدهم إما شعرًا أو نثرًا، وحين تقرأها وتتأملها تجدها تختزل مواقف الإنسان وحياته بمعانٍ مكثفة مختزلة؛ وتعالوا معي في هذه الإطلالة نتوقف عند بعض هذه الحِكم في قول ذلك الحكيم الذي خبُر الناس وعرف أمزجتهم وتقلباتهم؛ فقد 'سُـئل عن القوي من الناس؟ قال: هو من يستطيع أن يكبِت جماح نفسه.

ومن الضعيف؟ قال: هو من تسمعَ صوته مدوياً. ومن هو العبقري؟ قال: هو من يختلف عليه أثنان. ومن هو العادي؟ قال: هو من يتفق عليه أثنان. ومن هو العاقل؟ قال: هو من ينحني للعواطف. ومن هو المجنون؟ قال: هو من يدّعي العقل. ومن هو التافه؟ قال: هو من يتصور أنه أذكى الناس. ومن هو الثرثار؟ قال: هو من يتحدث دون معنى. ومن هو الفصيح؟ قال: هو من يوجز في حديثه. ومن هو العالم؟ قال: هو من تجد عنده المعرفة.ومن هو الجاهل؟ قال: هو من يدّعي المعرفة دون إدراك. ومن هو الكريم؟ قال: هو من يعطي بسخاءٍ دون مَنٍّ وتبذير. ومن هو البخيل؟ قال: هو من يعيش على أرزاق الآخرين باستغلال وتطفل. ومن هو الكاتب؟ قال: هو من يكتب بإحساسه. ومن هو الصادق؟ قال: هو من يصدق أولا مع نفسه. ومن هو الكاذب؟ قال: هو من غره الشيطان بنفسه. ومن هو الناقص؟ قال: هو كل إنسان. ومن هو الكامل؟ قال: الله وحده جل جلاله.' وترك الشافعي إرثا كبيرا من الحكم والعبر كتبه بلغة عالية ومهارة نادرة نذكر قوله:

نعــــــــــــــــــيبُ زماننا والعيبُ فينا وما لزماننا عيبٌ ســـوانا

ونهجــــــــــــــو ذا الزمانِ بغيرِ ذنبٍ ولو نطقَ الزمان لنا هجانا

وليس الذئب يأكل لحم ذئب ويأكل بعضنا بعضا عيانا

هذه خلاصة تجارب الأمم والحكماء في معرفة الإنسان وتقلباته في حياته ومحنه، ولو نظرنا اليوم في واقع الإنسان المعيش، وتدبّرنا أقوالهم وحِكمهم مع ما نراه من تقلبات البشر وتبدل مواقفهم سيرى المرء كل هذه الصور والأنماط بأشكال وألوان لا تعد ولا تحصى، سيرى العبقرية والجنون وحجم الكراهية والنفاق أمام غياب الحب والود، وكيف غدا السفهاء والجهلاء امام مآلَ الشرفاء والأوفياء والأصفياء والانقياء، وكيف تبدو مواقف الجشعين والحاقدين، وصور الجهلاء والعلماء، كل هذه الصور تستدعي الإنسان أن يدرك تعاقب الأجيال وحواراتهم، وان يعود إلى الوراء يتأمل تجارب الأمم والإنسانية، لكي يتذكر ذلك الجيل الذي تربّى على عبقرية البساطة والقلّة والإيثار، مع ما يشيع في حاضره من سخف وصغار وأوكار ومواخير لا نهاية لها، وكيف يبدو الصواب والحق أمام الدجل والنفاق والكذب، لا نريد أن نكتب عن لغة الكراهية؛ وإنما نريد أن نذكّر بأهمية العودة إلى التراث وحِكمه لقرأته وتدبره وفهمه والمحافظة عليه، وتقديمه للأجيال من جديد بوسائل وأساليب مناسبة؛ في البيت والمدرسة، وفي القصص والكتب ووسائل الاعلام المتنوعة؛ ويبقى التراث ركيزة الأمم الراقية والجادة، ومصدر ثقافتها وفكرها وحياتها.

Mohamadq2002@yahoo.com