في الحياة دروسٌ واضحات، من تجاوزها لن يستطيع قراءة الحاضر ولا الماضي، فضلا عن قراءة المستقبل التي تحتاج إلى العلم والعمل.
وفي أمس القريب أحدثَ زلزال المغرب صدعًا في قلوب الإنسانية، ولم نلبث مليًّا حتى ملأْنا عيوننا دموعًا فيّلضة جرّاء فيضانات ليبيا، وما زلنا نبكي جراحاتنا ألما، حتى اشتعلت حرائق الجزائر، فما أطفأ ليهبَها دموعنا على الزلزال، ولا مياه الفيضانات في ليبيا، وبقي وسيبقى الأملُ معلَّقًا بربّ العباد سبحانه، أن يخفف عنهم البلاء، ويتقبل موتاهم في الشهداء، وأن يخفف عن المصابين ما تهدم من البناء، وما تقطع من الأشلاء.
إنها الصور المؤلمة التي تنتشر في مدن وقرى وكثيرا من صحراوات وطني العربيّ الكبير، التي تحركت لها قلوبُ الصادقين من العرب والمسلمين وعموم الإنسانية، ولم تتحرّك لها قلوبُ المتنازعين على السراب في وطن كبير، تعلمنا فيه جميعا:
لسان الضاد يجمعنا بغسان وعدنان. كيف لا؟ والدين يجمعنا بسيد ولد عدنان، صلى الله عليه وسلّم، وها هي الهموم والغموم والزلازل والفيضانات والحرائق، تلتفّ حول وطن كبير، وما زال البعض يتناوشون على أشلاءٍ ممزّقة!!. فأين نحن من دروس الحياة؟.
اليوم اليوم.. وليس غداً!!
هي قطعة من مقطوعة اجتذبتُها، لأقول: لقد حان اليوم الذي نفتح فيه الصفحة الجديدة، ونرمي بالنزاعات بعيدا، ونترك الاقتتال على أوهام سار بها الزمن حتى عفا عليها، وتكلّس فوقها العفن. وما زال البعض ينادي بجثث العصبية المقيتة ويحول أمتنا إلى مسلسل من الأشلاء للنزاع على البريق!!.
اليوم اليوم.. وليس غداً.!
فقد حان أن تتجسّد فينا معاني الإخاء، فهناك قارات على البسيطة بسّطت الخلافات بينها وأعطت الأولوية للبناء والتقدم والازدهار والصناعات والترفّه والسعادة، وقطعت الإشارات الوهمية على طريق النزاعات المتجذّرة منذ أمد بعيد.
وأما نحن الذين تجمعنا المودة والمحبة واللسان والعِرق والدّين الواحد والجوار السعيد، والتربة الواحدة والتاريخ الواحد، فقد قعدنا على صخرة الابتذال، وسرنا بسرعة السلحفاة وركضنا بسرعة الفهود عند النزاعات، وقطعنا أشلاءنا كالنمور ويكأننا خُلِقنا للعداوة بيننا..!.
اليوم اليوم.. وليس غداً..!
علينا أن نفكّر مليًّا بالملايين الذين قضوا نحبهم منذ قرن من الزمان، وبعد التسليم بقضاء الله وقدره، يمكننا السؤال كيف لو أنهم عاشوا زيادة؟ كم وكم سنكون وسيكون عددنا وعدّتنا؟ وكم هم بناة حضارتنا وحماتها.. رحمهم الله تعالى. ولكن ما موقفنا من وقف النزيف في بلاد العرب أوطاني؟ أم أنّ السؤال أصبح شنيعا لأننا ألِفنا واقعا أليما؟.
اليوم اليوم وليس غداً..!
ماذا فعلنا إزاءَ الزلزال؟ تجاذبت الأرض العربية مواقف ينبغي أن تكون أبعد ما تكون عن ضحايا الزلزال، وماذا فعلنا في ليبيا بعد فيضاناتها؟ وماذا نفعل إزاء الحرائق في الجزائر؟.
نعم.. تلك البلاد لها سياساتها وحكوماتها وتحاول جاهدة أن تقوم بالواجبات عليها، فنشكر لهم جهودهم ولا ننكرها، ولكنني من منطلق المشاعر كمسلم عربيّ أردنيّ، وكإنسانٍ أتابع بما عندي من مشاعر كباقي أبناء جلدتي، لي أمنيات أتمنى أن تتحقق سريعا، تتمثّل بسرعة الاستجابة للسلام بين المتحاربين في العديد من دولنا المباركة، وأن ننبذ الخلافات بيننا لنشارك العالم في أحلامه وطوحاته وصناعاته، ونقدم للأجيال أمانة حملناها سالمة غانمة.
كما أننا قد استطعنا أن نكون وحدة واحدة تجمعنا الاهتمامات من غرب وحتى شرق هذا الوطن الكبير، فلنحقق مزيدا من التطلعات نحو استجابة سريعة أمام الكوارث البيئية التي هي من قضاء الله وقدره، وقد أمرنا أن نكون أخوة في الدين والدنيا.
مع تسطير الشكر العظيم للأردنّ الذي أثبت قربه من جناحيْ الوطن الكبير وقريبا من قلبه، وهو وطن يقدّم ويعتبر ما يقدّمه واجباً، وهو في القلب دوماً.. كما أنّ وطننا العربيّ الكبير في قلوبنا جميعاً.. فهيّا نجسّد الإخاء وننبذ العداء..!.