إن العالم عبر العصور والأزمان في حروب وصراعات مستمرة القوي يحتل أراضي الضعيف، ويسيطر عليها ويستغل مواردها وثرواتها دون مقابل أو باثمان بخسة وقليلة، لكن ارادة الشعوب لا تقهر، ولا بد للمحتل أن يندحر.
وإن المتأمل والمتمعن للتاريخ يلاحظ أن حياة الشعوب والدول كحياة الإنسان تبدأ بمرحلة الطفولة (الضعف)، ثم مرحلة الشباب ثم مرحلة الرجولة، ثم مرحلة الشيخوخة النكوص الإنهيار أو الضعف، فكم من دولة أو امة ضعيفة سادها الفقر والإنحطاط في مرحلة تاريخية ما، نهضت وتقدمت،واستثمرت ثرواتها ومواردها، وبنت دولة قوية، واصبحت من الدول المتقدمة أو الكبرى، وكم من دولة صعدت إلى القمة وأصبحت دولة كبرى، تراجعت وتقهقرت إلى الوراء وأصبحت ضعيفة أو ليست في مصاف الدول الكبرى، فيحدث باستمرار خلال عدة عقود تصعد دول وتتقدم وتصبح متقدمة أو?كبرى، وأخرى تتراجع ومنها تصبح في ذيل الأمم.
وإن من مقومات نهوض الدول وتقدمها هي:- عدد السكان الكبير أو المناسب، ومساحتها الواسعة، وثرواتها الطبيعية كالبترول والمعادن النفيسة كالذهب والفضة، والثروات الزراعية والحيوانية، والموارد البشرية المؤهلة، كما تلعب القيادات دورا كبيرا في تقدم الدول ونهوضها، حيث أصبح من أهم مقومات تقدم الشعوب والدول هي الموارد البشرية الكافية والمتنوعة والمؤهلة وقياداتها، التي تعتبر أهم ثروة تمتلكها الدول، إذ تعاني دول غربية من قلة التزايد السكاني، وتستقطب هجرة العقول من دول العالم الثالث، إذ ان استثمار الطاقات البشرية خاصة المت?يزة والمبدعة هي من العوامل الرئيسة لتقدم الدول، فبالرغم من أن بعض دول العالم الثالث تمتلك اعدادا سكانية كبيرة، ومساحات واسعة، وثروات طبيعية غنية كالذهب والفضة والبترول، والثروات الزراعية والحيوانية، وأمطار غزيرة و انهار وبحيرات، لكنها غير مستثمرة لهذه الثروات، وشعوبها في تخلف حضاري وامية وفقر، بسبب عدم استثمار الموارد البشرية فيها بشكل سليم وصحيح وغير مؤهلة ولا مدربة، ولا تحتضن المتميزين والمبدعين، بيئات غير حاضنة للإبداع والتميز بل طاردة، فجميع ثرواتها المادية والبشرية غير مستثمرة أو مبددة أو مهدورة او من?وبة من مستثمرين اجانب.
وإن اليابان خرجت من الحرب العالمية الثانية منهزمة ومنهكة استطاعت التقدم باستثمار الموارد البشرية، بالرغم من فرض شروط عليها في معاهدة في فرانسييكو، وتكبيلها بالقيود في معاهدة أمنية وعدم التصنيع العسكري، وبقاء قوات اجنبية على أراضيها، إلا أن استثمارهم للطاقات البشرية استطاعت اليابان بالرغم من أنها جزر شبه قاحلة من التقدم خطوة خطوة إلى أن أصبحت في عقد الثمانينات ولغاية الآن من أولى الدول المتقدمة، إذ غزت صناعاتها الأسواق العالمية، وأصبح المواطن في دول كثيرة يشتري السلع الصناعية اليابانية، بسبب جودتها العالية ?انخقاض اسعارها مقارنة بغيرها من الدول.
كما أن المانيا صعدت بخطوات مشابهة نوعا ما بعد خروجها منهزمة من الحرب العالمية الثانية، من خلال تركيزها على قطاعات الصناعة والتجارة والزراعة، واستثمار الإنسان كمورد رئيس للتقدم، وأصبحت دولة صناعية كبيرة ذات اقتصاد ضخم ورفاه كبير لأفراد المجتمع، كما صعدت في العقود الأخيرة الصين وأصبحت من أكبر القوى الإقتصادية والعسكرية في العالم.
إن على الدول والأمم التي تمتلك مقومات التقدم أن تستثمر عوامل القوة والنهوض، وتوظفها لتصبح دولة متقدمة أو كبرى، يعيش مواطنوها في رفاه وتقدم وعدم تبعية واستقلالية.
كما على الدول وشعوبها التعاون والتكاتف من أجل بناء الحضارة الإنسانية وتقدمها، خاصة وأن العالم أصبح قرية كونية صغيرة لا بل كأنهم في بيت واحد أو سوق واحد نتيجة لاستخدامهم لتكنولوجيا الاتصالات المتطورة التي قربت المسافات والمكان والزمان، وأصبح العالم في تواصل فوري ومستمر صوت وصورة حية، كأنهم في مجلس واحد، وزاد التفاعل ببن الأمم والشعوب وأصبحت ثقافة عالمية مشتركة تنتشر بين أفراد وجماعات الشعوب والأمم، التي يجب أن تستثمرها الدول والحكومات والشعوب لزيادة التقارب والتفاهم والتكافل والتعاون من أجل نهوض العالم وتقد?ه، والابتعاد عن الحروب المدمرة التي تنعكس سلبا على اقتصاد جميع دول العالم، كما يحدث الآن من ركود اقتصادي وتضخم وارتفاع كبير لأسعار السلع عالميا، وزيادة الفقر في دول العالم كله نتيجة للحرب الأوكرانية الروسية المدمرة المستمرة الآن، والحروب الأخرى والنزاعات المدعومة والمثارة بين دول وشعوب العالم الثالث.