الرأي والدستور شكلتا حالة إعلامية فريدة و«حرب شوارع»
نشرت خبر وفاة بريجينيف قبل الإعلان عنه رسمياً
أبعدت أبنائي وبناتي عن امتهان العمل الإعلامي
عمل في مهنة الصحافة في الاردن وفلسطين والكويت، لخمسة واربعين عاماً، وكان واحداً من المؤسسين لنقابة الصحفيين الاردنيين، ويحمل حالياً، (رقم ١) في النقابة، من بين الزميلات والزملاء الأحياء، أطال الله في أعمار الجميع.
هو ثالث الثلاثة الذين نجوا من «المذبح اليهودي» من بين ٥٦ استشهدوا، لينتقل من مدرسة الى مدرسة، ومن منطقة الى أخرى، قبل أن يشق طريقه الى مصر ليدرس في جامعة القاهرة، متخصصاً اللغة العربية.
نشأ في بلدة خان يونس في قطاع غزة، ولعائلة ميسورة، مثلما ينتمي الى عشيرة كبيرة، ووالده عميدها.
انقسمت العائلة،إلى نصفين، من حيث المكان، فوجد إقامته في منطقة الجيزة، وضالته «الجنسية الاردنية» التي اكتسبها بإرادة ملكية في عهد الراحل الملك الحسين، رحمه الله.
عاصر الصحافة الورقية في الضفتين الشرقية والغربية، ومارسها عندما كانت الصحيفة تصدر بأربع صفحات الى أن تجاوزت العشرات في صحيفتي الدستور والرأي اللتين تأسستا في عمان بعد دمج صحف كانت تصدر في القدس.
ولخبرته المهنية، تم تعيينه مديراً لوكالة الانباء الكويتية «كونا».
عضو نقابة الصحفيين، الاستاذ محمد موسى أبو تيلخ، يروي لـ» استراحة الرأي» مسيرته الصحفية، وما حملته من مواقف صعبة، وقد بدأ راتبه في الصحافة الاردنية بـ ١٨ ديناراً الى أن وصل ٢٠٠٠ دينار في الكويت.
النشأة والدراسة؟
نشأت في بلدة خان يونس في قطاع غزة، ولعائلة قوامها(١١ فرداً) من ذكر وأنثى ولوالدة واحدة، وتنتمي الاسرة الى قبيلة كبيرة ومعروفة، اسمها الترابين.
النشأة تزامنت مع ظروف حياتية صعبة، لوجود احتلال قتل وشرد أطفالاً ورجالاً ونساء، فقد كنت واحداً من ثلاثة طلاب نجوا من بين ٥٦ لقوا حتفهم.
كانت هذه المجازر تحدث في رفح.
لإصرار والدي على تعليمي واصلت الدراسة التي بدأت في مدرسة خان يونس ثم مدرسة غزة الثانوية، الى أن تلقيت دراستي الجامعية في مصر وتحديداً، جامعة القاهرة.
ولأن والدي كان ميسوراً، حيث كان جدّي ملّاكاً لأراض شاسعة وخصبة، ولتفوقي في الثانوية العامة، كانت دراستي في مصر تسير في الاتجاه الصحيح، في الوقت الذي تقدم فيه وكالة الغوث مبلغ ١٠ دنانير شهرياً، للمبتعثين، فتخرجت من جامعة القاهرة عام ١٩٦٢، متخصصاً في اللغة العربية.
العائلة انقسمت في أفرادها ما بين قطاع غزة وشرقي الاردن، بسبب الاحتلال، اذ سكنّا في منطقة الجيزة، وخلال الاقامة، أمضينا في البادية التي تقيم فيها عشائر اردنية أصيلة عرفت بالكرم والأخلاق والعادات والتقاليد السمحة التي ورثتها عن أصولها وعروبتها، وفي ظل وجود شيوخ وشخصيات وطنية، أمثال الشيخ مثقال الفايز والد الشيخ والوزير عاكف، رحمهما الله، كان عليّ أن أحصل على الجنسية الاردنية، والتي صدرت أخيراً، بإرادة ملكية من جلالة الملك الراحل الحسين بن طلال.
بدايتك في العمل العام؟
بدأت العمل في سلطة المصادر الطبيعية، وأمضيت فيها ٤سنوات، لأنتقل بعدها الى مجال الصحافة، حيث كانت تصدر أربع صحف في الضفة الغربية، وهي المنار والجهاد والدفاع وفلسطين، وتم تعييني مندوباً للمنار في عمان، وبراتب ١٨ ديناراً، ومن خلاله كنت أقوم بتسديد أقساط الأثاث الذي اشتريته بمناسبة الزواج، وستة دنانير أجرة البيت، وما تبقى يصرف للمعيشة.
ولا أنسى في سياق الحديث عن العمل الصحفي لهذه الصحف، التي بدأت بـ اربع صفحات ثم ٨، والى أن تم دمج الصحف الأربع بقرار من رئيس الوزراء، حينذاك، المرحوم وصفي التل، حيث دمجت الصحيفتان المنار وفلسطين، بمسمى صحيفة الدستور، ولتصدر من عمان/ الضفة الشرقية، ودمجت صحيفتا الجهاد والدفاع، بمسمى صحيفة القدس، ولتصدر من القدس/ الضفة الغربية، وكان ذلك عام ١٩٦٦.
ومع صدور صحيفة الدستور، طلب مني المرحوم جمعة حماد أن التحق بالصحيفة لخبرتي السابقة في المنار، وتخصصي باللغة العربية، وهي عامل مهم في العمل الصحفي من حيث كتابة وصياغة وتحرير الخبر بلغة سليمه، والقدرة على المخاطبة وطرح الأسئلة في المؤتمرات والندوات، وغيرها.
وأحسب أن تلك المرحلة، ومع صدور صحيفة الرأي، في الثاني من تموز عام ١٩٧١، كانت من أهم المراحل التي مرت بها الصحافة الاردنية، فقد واكبت وأعقبت ظروفاً سياسية عصفت بالمنطقة وكذلك الأُردن.
كان التنافس المهني بين الصحيفتين على أشده، وهو تنافس انعكس بالتأثير على الرأي العام المحلي، وفي خدمة القضية الفلسطينية والقضايا العربية الأخرى، من جهة، والمردود المادي أو الاعلاني، من جهة ثانية.
الصحيفتان شكّلنا حالة اعلامية وطنية فريدة، ويمكنني أن أصف هذا التنافس المشروع بين الصحيفتين في الجانبين المهني والإعلاني، بـ«حرب شوارع» واعني توزيع نسخهما، في الشارع العام والأماكن الأخرى، الرسمية والمجتمعية والقطاع الخاص.
هذا ما وضع العاملين في الرأي والدستور، موضع الاحترام والتقدير، الى جانب العيش الكريم، رغم الرواتب القليلة، ولكنها رواتب لم تكن فيها فجوة بين الزملاء والزميلات.
وأحسب، أيضا، أنه كان للمرحوم وصفي التل دور كبير في التعامل مع الاعلام، وبشكل خاص مع الصحف باعتبارها مؤسسات مستقلة، للوصول الى منظومة إعلام الدولة، ورغم ما كان يُنشر من أخبار مزعجة للحكومة.
على الصعيد السياسي، وبحكم موقعه الرسمي، فإن التل كان له نظرة صائبة في القضية الفلسطينية، وهي تلك النظرة العسكرية التي كان يراها في التعامل مع الاحتلال الاسرائيلي، اذ كان مخلصاً ومندفعاً بكل عمل وفكر يخدم قضية فلسطين والشعب الفلسطيني.
(العمل في الكويت)
بعد خدمة ٢٣ عاماً في صحيفة الدستور، تم تعييني عام ٢٠١١ مديراً لوكالة الانباء الكويتية «كونا»، وبراتب ٢٠٠٠ دينار كويتي، وهو راتب كبير جداً مع توفير السكن.
عملت لمدة ثلاث سنوات قبل أن أعود الى الاردن لأعمل مديراً لمكتب » كونا» في عمان والى أن تمت إقالتي لبلوغ سن الـ ٦٠ عاماً.
واستطيع القول إن سياستي المهنية لم تتغير خلال الخدمة فيها، عن النهج ذاته في الصحافة الاردنية، رغم «رسمية» الوكالة، وقد حظيت بثقة كبيرة من مجلس الادارة ورئيسها برجس البرجس واحترام الزملاء، ودون أن يكون لحساسية عمل الوكالة تأثير على حساب المهنة، سواء في حرية التعبير، أو نشر الأخبار التي كانت تثير الرأي العام.
مواقف صعبة واجهتها في المهنة؟
تعرضت للسجن ثلاث مرات (سجن المحطة) بسبب نشر أخبار حصلت عليها، ولم أكشف مصادرها، رغم الضغط والتهديد، وهذا من «شرف المهنة».
ومن الأخبار التي كدت أُسجن عليها، وافقد عملي في الدستور، كان خبر اعتذار شخصية اردنية عن عضوية مجلس الأعيان، ما أغضب رئيس الوزراء حينها، ودعا لجلبي للسجن، ولكن دائرة المخابرات استدعتني للتأكد من صحة الخبر، حينها، قابلت مديرها أحمد عبيدات، والذي تفهّم بأن هذا من مهام الاعلام الذي يبحث عن المعلومة الصحيحة.
والموقف الآخر، فقد نشرتُ في وكالة الانباء الكويتية خبر وفاة رئيس الاتحاد السوفييتي ليونيد بريجينيف، قبل الاعلان الرسمي لبلاده عن وفاته، ما أثار ضجة لدى الجهات الرسمية الكويتية، خشية عدم صحة الخبر، فتصدى رئيس مجلس الادارة البرجس دفاعاً عني وقدّم استقالته، الا أن تلك الجهات رفضت الاستقالة بعد التأكد من صحة ما نُشر، لتنال الوكالة الاشادة بخبر السبق.
العمل النقابي؟
كنت واحداً من المؤسسين لنقابة الصحفيين عام ١٩٦٩، وبعدد محدود أذكر منهم الاساتذة: جمعة حماد وكامل الشريف ومحمود الشريف وصادق الشنطي وسليم الشريف ورجا العيسى وعرفات حجازي وعبدالحفيظ محمد، واعتذر لمن خانتني الذاكرة في طرح اسمائهم، وكان مقر النقابة بين الدوارين الأول والثاني في عمان.
وأذكر أن ترشح لمنصب النقيب الأستاذان حماد والشنطي، وفاز الأخير بفارق صوت، وكان اول نقيب للنقابة، فيما كان عدد الناخبين أقل من عشرين عضواً، فيما ترشحت شخصياً في دورتين ونجحت فيهما.
وفي المرة الثانية، ترشح لمنصب النقيب الأستاذان حجازي ومحمد وفاز الأول.
مع مرور الزمن شهدت النقابة تزايداً في عدد الأعضاء المنتسبين، ما تعاقب عليها مجالس ادارية نهضت بالعمل النقابي، مع أنني أصف المرشحين لمنصب النقيب في تلك المراحل، بـ » الطفرانين» فلم يكونوا أحسن حالاً من زملائهم أعضاء الهيئة العامة، ومع ذلك ظل حضورهم المهني وكرامتهم، فوق كل اعتبار، وموضع احترام وتقدير عند المسؤولين والمؤسسات التي لها علاقة في التغطية الاعلامية.
واذا كان هناك من قول للنقابة، فإنني أتمنى أن تعمل الهيئة العامة لتصويب أوضاعها لتقوية الادارات، سواء عند العملية الانتخابية، أو بتفعيل النشاطات، والعمل معاً على ايجاد ايرادات يمكن تحسين أوضاع المنتسبين، لتلبية احتياجاتهم.
كما على الادارات أن تنهض بالعمل التدريبي لتطوير مهارات الزملاء وأن يكون للإدارات برامج قابلة للتنفيذ.
لقد كنت وزملاء تقاعدوا نتطلع لوجود ناد يشجعنا على اللقاءات في النقابة، ويبدو أن النادي الحالي لم يحقق الهدف.
.. والعمل الحزبي؟
لست حزبياً، ولم أفكر بهذا العمل رغم وجوده على ارضع الواقع، لقد عشت حياتي مواطناً صحفياً، و«حزبي هو عشيرتي».
كيف ترى الاعلام الاردني؟!
يجب تغيير النهج الذي يهتم بالشأن الرسمي والشخصي على حساب القضايا المحلية والدولية، كما على المؤسسات تطوير مهارات صحفييها، وأن يكون لهؤلاء قابلية التطوير.
ولا نغفل أن إعلاماً جديداً قد طرأ على المهنة، ورغم وجود الأدوات والوسائل المساعدة، الا أن العنصر البشري هو المهم.. الاعلام الجديد الذي نراه وفي محتواه لن يكون له تأثير إيجابي واراه ظاهرة غير صحية.
ماذا عن الشباب والمرأة؟
مشاكل الشباب تتفاقم بتزايد أعداد خريجي الجامعات والمعاهد، وهذا ما يصعّب الحصول على الوظيفة، كما أن التشغيل لن يكون كافياً.
أدعو الحكومة لإيجاد مشاريع محلية، وأن تستثمر علاقاتها مع الدول الشقيقة والصديقة لاستقطاب قدر ممكن من الخريجين والكفاءات الاردنية.
فيما يتعلق بالمرأة، فأظن أن البرامج التي تشارك بها، وكذلك الشباب، لن تحقق الهدف المطلوب من الانخراط بها، ما يدعو مؤسسات الدولة لمراجعة تلك البرامج والعمل على تحصين أبنائنا من آفة المخدرات التي تهدد حياتهم.
-كيف وجهت اسرتك؟
مهنة الصحافة من أكثر المهن والوظائف التي تشغل رب الاسرة عن أفرادها، وهذا ما يجعل المسؤولية كبيرة على عاتق الزوجة، من هنا أنظر الى أهمية المرأة ومسؤوليتها لتكون «ربة بيت»، فقد ساعدتني زوجتي في هذه المسؤولية الثقيلة.
ما يتعلق بالابناء والبنات، فقد منحتهم حرية التعليم، وكانوا متفوقين وهو ما سهّل عليهم دخول الوظيفة.. عماد ويعمل مهندس كمبيوتر في أميركا، وبكر مهندس ميكانيكي، خريج جامعة العلوم والتكنولوجيا، وعمر وهو خريج معهد البوليتيكنك، والبنات في وظائف أُخرى، مثلما كنت رافضاً وبشدة أن يمتهن أي واحد/ة مهنة الصحافة، لما واجهته من معاناة.